* * *
عهد في سيرة البشر أن الأمة توعظ وتنذر ، فتتعظ وتتدبر ، ، فإذا طال عليها الأمد بعد النذير تقسو القلوب ، ويذهب أثر الموعظة من الصدور ، وتفسق عن أمر ربها ، وتنسى ما لم تعمل به مما أنذرت به ، أو تحرفه عن موضعه بضروب التأويل ، وزخرف القال والقيل ، ولقد يكون للمتأخر منها بعض العذر لجهله بما فعل المتقدم وأخذه ما يؤثر عنه بالتسليم لكمال الثقة وحسن الظن
بين اللّه تعالى هذه السنة الاجتماعية في سورة الحديد بقوله
( أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ )
ولهذا كان تعالى يرسل الرسل بعضهم في إثر بعض حتى لا يطول أمد الإنذار على الناس فيفسقوا ويضلوا . ولا يعرف التاريخ شعبا جاءت فيه الرسل تترى كشعب إسرائيل ، لذلك كانوا بمعزل عن صحة العذر بطول الأمد على الانذار . وفي ناحية عما يرجى قبوله من التعلل والاعتذار ، لهذا قال تعالى بعد كل ما تقدم
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ
فلم يمر زمن بين موسى وعيسى آخر أنبيائهم إلا وكان فيه نبي مرسل أو أنبياء متعددون يأمرون وينهون كأنه يقول اعلموا يا بني إسرائيل أنه إن كان لطول الأمد على النبوة وبعد العهد بالرسل يدفى تغيير الأوضاع ونسيان الشرائع ، وكان في ذلك وجه لاعتذار بعض المتأخرين ، فان ذلك لا يتناولكم ، فان الرسل قد جاءتكم تترى ثم كان من أمركم معهم ما كان
ذكر رسل بني إسرائيل بالإجمال لبيان ما ذكر ، ثم خص بالذكر المسيح عليه السّلام فقال
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
فأما البينات فهي ما يتبين به الحق من الحجج القيمة والآيات الباهرة . وقال الأستاذ الامام :
المراد بها ما دعا إليه من أحكام التوراة . وأما روح القدس فهو روح الوحي الذي يؤيد اللّه تعالى به أنبياءه في عقولهم ومعارفهم ؛ وهو هو المراد بقوله تعالى
( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ )
الآية .
ويطلق عليه روح القدس لأن التعليم الذي يكون به مقدس أو لأنه يقدس النفوس كما يطلق عليه « الروح الأمين » لأن النبي الموحى إليه يكون على بينة من ربه فيه