تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
عنه وتحريمه له ، فهو كافر به ، لأن المؤمن بأن هذا شئ حرمه اللّه تعالى ، المصدق بأنه من أسباب سخطه وموجبات عقوبته ، لا يمكن أن لا يكون لايمان قلبه أثر في نفسه ، فان من الضروريات أن لكل اعتقاد أثرا في النفس ، ولكل أثر في النفس تأثيرا في الأعمال . وهذا هو الوجه في الأحاديث الصحيحة الناطقة بأنه « لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ؛ ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن » سمى اللّه الذنب ههنا كفرا لما تقدم وتوعد عليه بوعيد الكفر فقال
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
الخ أوعدهم اللّه تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين الذي يجمعهم ، والشريعة التي هي مناط وحدتهم ، ورباط جنسيتهم ؛ بالخزى العاجل ، والعذاب الآجل ، وقد دل المعقول ، وشهد الوجود ، بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها ؛ واعتدت حدود شريعتها ، إلا وانتكث فتلها ، وتفرق شملها ، ونزل بها الذل والهوان ، وهو الخزي المراد في القرآن ، وهذه هي سنة الخليقة ذكرها ليعتبر بها من صرفته الغفلة عنها وأما العذاب الآجل الذي عبر عنه بقوله
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ
فهو على كونه من عالم الغيب معقول المعنى ، وهاد إلى حكمة عليا ، ذلك أن النفوس البشرية إذا سحل مريرها ، واختلت بفساد الأخلاق أمورها وكثرت في هذا العالم شرورها ، حتى سلبت ما أعده اللّه تعالى لمن حافظوا على الحقيقة ، واستقاموا على الطريقة ، تكون جديرة بأن تسلب في الآخرة ما أعده اللّه تعالى للأرواح العالية ، وما وعد به أصحاب النفوس الزاكية ، فان سعادة الدار الدنيا لم تكن أجرا على أعمال بدنية ، لا تتعلق بصلاح النفس في خلق ولا نية ، وإنما هي ثمرة تزكية النفس ، التي يتوسل إليها بعمل الحس ، فإذا كان هذا شأن سعادة الدنيا فكيف يكون نعيم الآخرة جزاء حركات جسدية ، وهي الدار التي تغلب فيها الروحانية ؟ ؟ ؟ ( 91 : 7 - 10
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها )
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
بل هو محيط به لا يخفى عليه منه شئ . وقد قرأ عاصم في رواية المفضل ( تردون ) بالخطاب لمناسبة قوله ( منكم ) كما قرأ