تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
بأن الميثاق مأخوذ عليكم كما كان مأخوذا عليهم : كان بنو قينقاع من اليهود أعداء بني قريظة إخوانهم في الدين وكان الأولون حلفاء الأوس ، والآخرون مع بنى النضير حلفاء الخزرج . ثم اقترفوا فبقى بنو النضير مع الخزرج وحالف بنو قريظة الأوس ، وكان الأوس والخزرج قبل الاسلام أعداء وكانوا يقتتلون ومع كل حلفاؤه ، فهذا ما احتج اللّه تعالى على بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم في عصر التنزيل . ويتبع هذا القتال الأسر ، ومن لوازمه الاخراج من الديار ولذلك قال
وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
والتظاهر التعاون وتظاهرون أصله تتظاهرون كما قرأ الجمهور ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التائين للتخفيف وهو مقيس مشهور . كان كل فريق من اليهود يظاهر حلفاءه من العرب ويعاونهم على إخوانه من اليهود بالاثم كالقتل والسلب ، وبالعدوان كالاخراج من الديار . ومن مثارات العجب أنهم كانوا إذا اتفقوا على فداء الاسرى يفدى كل فريق من اليهود أسرى أبناء جنسه وإن كانوا من أعدائه ويعتذرون عن هذا بأنهم مأمورون في الكتاب بفداء أسرى شعب إسرائيل . فان كانوا مستمسكين بالكتاب فلم قاتلوا شعب إسرائيل وأخرجوهم من ديارهم وهم منهيون عن ذلك في الكتاب ؟ هذا لعب بالكتاب واستهزاء بالدين ولذلك قال تعالى
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ
بعد أن كنتم أسرتموهم وأخرجتموهم بالتظاهر عليهم مع العرب
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ
بميثاق أغلظ من طلب مفاداتهم
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ
وهو فداء الأسرى
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
آخر منه وهو النهى عن القتل والاخراج ؟ أليس من الحماقة والهزء والسخرية أن يدعى مدع مثل هذا الايمان بأهون الأمور مع الكفر بأعظمها ؟ والإيمان لا يتجزأ فالكفر بالبعض كالكفر بالكل قال الأستاذ الامام : في التعبير عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على ما سبق بيانه في معنى قوله تعالى
( وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ )
فالقرآن يصرح هنا وفي آيات كثيرة بأن من يقدم على الذنب لا تضطرب نفسه قبل إصابته ، ولا يتألم ويندم بعد وقوعه فيرجع إلى اللّه تعالى تائبا ، بل يسترسل فيه بلا مبالاة بنهى اللّه تعالى