الذي يجيئكم مصدقا لما معكم ونصره ، وقوله
( لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ )
معناه يقيمون به عليكم الحجة من كتاب ربكم وهو التوراة من حيث إن ما تحدثونهم به موافق لما في القرآن فلهم أن يقولوا : لولا أن محمدا نبي لما علم بهذا الذي حكاه عنكم وقد كان مثلنا لا يعرف من أمر الكتاب شيئا : هذا ما جرى عليه المحققون في تفسير
( عِنْدَ رَبِّكُمْ )
وهو أنه بمعنى في كتابه فهو كقوله في أهل الافك
( فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ )
أي في حكمه المبين في كتابه .
وذهب مفسرنا ( الجلال ) إلى أن معناه المحاجة في الآخرة والنظم لا يأباه ، ولكن فيه اعترافا من اللائمين المؤنبين بأن المسلمين على الحق الذي لا ينجى عند اللّه سواه .
ومن اعتقد هذا لا يجعله تعليلا للانكار على من يراه من قومه يحدث المؤمنين بما يوافقهم ويقوى حجتهم ، بل فيه أيضا ان ترك تحديثهم لا يمنعها في الآخرة .
مثل هذه الذبذبة تكون من الأمم في طور الضعف ولا سيما ضعف الإرادة والعلم ، ولو كان لأولئك القوم إرادة قوية لثبتوا ظاهرا على ما يعتقدونه باطلا ولم يصانعوا مخالفيهم من أهل الملة الأولى أو الملة الآخرة ، وقد وبخهم اللّه تعالى وأنكر عليهم هذا التلون والدهان في الدين ولقاء كل فريق بوجه يظهرون له ما يسرون من أمر الآخر
* * *
فقال
أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
يعنى أيقول اللائمون أو المنافقون كلهم ما قالوا ، ويكتمون من صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما كتموا ، ويحرفون من كتابهم ما حرفوا ، ولا يعلمون أن اللّه يعلم ما يسرون من كفر وكيد ، وما يعلنون من اظهار ايمان ورد ، فان كانوا مؤمنين بإحاطة علمه تعالى فلم لا يحفلون باطلاعه على ظواهرهم ، واحاطته بما يجول في أطواء ضمائرهم ، وبما يترتب على علمه من خزى في الدنيا وعذاب في الآخرة
* * *
قال تعالى
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
ذلك الذي تقدم هو شأن علمائهم : يحرفون كتاب اللّه ويخرجون من حكمه بالتأويل ، وهذا هو شأن عامتهم : لا علم لهم بشئ من الكتاب ، ولا معرفة لهم بالأحكام ، وما عندهم من الدين فهو أماني يتمنونها وتجول صورها في خيالاتهم ، وهذه الصور هي كل ما عندهم من العلم بدينهم ، وما هم على بينة منها ، وإنما هي ظنون