تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
من يعانده ويباهته ، ومنهم المذبذب الذي يميل مع الريحين ، فلا يثبت مع أحد الفريقين ، ثم أفاض في شرح حال بني إسرائيل الذين لم يؤمن منهم إلا قليل من أهل العلم والتقوى ، وكان الأكثرون أشد الناس استكبارا عن الإيمان وإيذاء للرسول ولمن اتبعه من المؤمنين . وبعد هذا كله أنكر على المؤمنين ذلك الطمع بدخول اليهود في دين اللّه أفواجا ، ووصل الانكار بحجة واقعة ناهضة ، تجعل تلك الحجة النظرية داحصة فعلم بهذا أن الكلام لا يزال متصلا في موضوع الكتاب وأصناف الناس بالنسبة إلى الإيمان به وعدم الإيمان . كلما بعد العهد جاء ما يذكر به تذكيرا قال تعالى
أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
كان الظاهر أن يكون الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ولكن خاطب المؤمنين معه لأنهم كانوا يشاركونه في الألم من ايذائهم والطمع بهدايتهم فأشركهم بالتسلية كما سبق ، ولأن طمع بعض المؤمنين بإيمانهم كان يحملهم على الانبساط معهم في المعاشرة إلى حد الافضاء إليهم ببعض الشؤون الملية المحضة واتخاذهم بطانة ، وكان يعقب ذلك من الضرر ما يعقب حتى نهاهم اللّه تعالى عن اتخاذ البطانة من دون المؤمنين إذا كانوا موصوفين بأوصاف هؤلاء ، وذلك قوله تعالى
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ )
والآية الآتية تدل على هذا الافضاء أيضا أما الحجة التي وصلها بانكار الطمع بإيمانهم للدلالة على أنه طمع في غير مطمع فهي تعمد تحريف كلام اللّه ممن سمعه منهم . وذلك أن موسى اختار بأمر اللّه سبعين رجلا من قومه لسماع الوحي ومشاهدة الحال التي يكلمه اللّه تعالى بها وقد سمعوا كلام اللّه تعالى على الوجه الذي لا نعرفه ، وانما نعرف أنهم صحبوه إلى حيث كان يناجى اللّه تعالى ، وكان من شأن اللّه تعالى معهم أن صدقوا بأن ما جاء به موسى عليه السّلام هو وحى من اللّه تعالى . والتصديق بذلك لا يتوقف على معرفة كيفيته وكنهه فان أكثر ما نصدق به تصديق يقين لا نعرف حقيقته وكنهه ولا كيفية تكوينه وإيجاده . وقد كان من أولئك المختارين أنهم لما رجعوا إلى