أصحابها الهلاك بعد ما ذكر أصناف اليهود من منافقين ومحرفين وأميين فقال
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أقول :
أي ويل وهلاك عظيم لأولئك العلماء الذين يكتبون الكتب بأيديهم ويودعونها آراءهم ويحملون الناس على التعبد بها قائلين إن ما فيها من عند اللّه ويمكن الاستغناء بها عن كتاب اللّه الذي نفهم منه مالا يفهم غيرنا : يخطبون بتلك الكتب ميل العامة وودهم ويبتغون الجاه عندهم ويأكلون أموالهم بالدين . ولذلك قال
لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
وكل ما يباع به الحق ويترك لأجله فهو قليل لأن الحق أثمن الأشياء وأغلاها ، وأرفعها وأعلاها ، ولذلك كرر الوعيد فقال
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
فالهلاك والويل محيط بهم من أقطارهم ونازل بهم من جانب الوسيلة ومن جانب المقصد .
قال الأستاذ الإمام : من شاء أن يرى نسخة مما كان عليه أولئك اليهود فلينظر فيما بين يديه فإنه يراها واضحة جلية . يرى كتبا ألفت في عقائد الدين وأحكامه حرفوا فيها مقاصده وحولوها إلى ما يغر الناس ويمنيهم ويفسد عليهم دينهم ، ويقولون هي من عند اللّه وما هي من عند اللّه . وإنما هي صادة عن النظر في كتاب اللّه والاهتداء به . ولا يعمل هذا إلا أحد رجلين : رجل مارق من الدين يتعمد إفساده ويتوخى إضلال أهله فيلبس لباس الدين ويظهر بمظهر أهل الصلاح يخادع بذلك الناس ليقبلوا ما يكتب ويقول . ورجل يتحرى التأويل ويستنبط الحيل ليسهل على الناس مخالفة الشريعة ابتغاء المال والجاه
ثم ذكر الأستاذ وقائع طابق فيها بين ما كان عليه اليهود من قبل وما عليه المسلمون الآن - ذكر وقائع للقضاة والمأذونين ، وللعلماء والواعظين ، فسقوا فيها عن أمر ربهم ، فمنهم من يتأول ويغتر بأنه يقصد نفع أمته كما كان أحبار اليهود يفتون بأكل الربا أضعافا مضاعفة ليستغنى شعب إسرائيل ، ومنهم من يفعل ما يفعل عامدا عالما أنه مبطل ولكن تغره أماني الشفاعات والمكفرات