قومهم حرفوا كلام اللّه الذي حضروا وحيه وأذعنوا له بأن صرفوه عن وجهه بالتأويل - كما حققه ابن جرير الطبري وغيره وهذا التحريف ثابت عندهم منصوص في التوراة والتاريخ الديني الذي يسمى التاريخ المقدس
فدل هذا وما سبقه على أن القسوة المانعة من التأثر والتدبر ، ومكابرة الحق والتفصي من عقال الشريعة ، كان شنشنة قديمة فيهم ، ثم تأصل فصار غريزة مطبوعة ، فاعراضهم عن القرآن لا يستلزم الطعن عليه ، ولا القول بجواز تسلق شئ من الريب إليه ، فإنهم قد حرفوا وبدلوا ، وعاندوا وجاحدوا ، وهم يشاهدون الآيات الحسية ، ويؤخذون بالعقوبات المعاشية ، فكيف يستنكر بعد هذا أن يعرضوا عن دين دلائله عقلية ، وآيته الكبرى معنوية ، وهي القرآن المعجز بما فيه من علوم الهداية ، ودقائق البلاغة ، وأنباء الغيب على أنه من أمي عاش أربعين سنة لم يؤثر عنه فيها شئ من العلم ، ولم يزاحم فحول البلاغة في نثر ولا نظم ، وفهم تلك الدلائل انما يكون من ذوى العقول الحرة والقلوب السليمة ، الذين لطف شعورهم ، ورق وجدانهم وصحت أذواقهم .
قال ابن جرير : لو كان المراد بما هنا تحريف كلام التوراة المكتوب لما قال يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه فزيادة « يسمعون » هنا لا بد لها من حكمة ولولا ذلك لجاء الكلام على نسق الآيات الأخرى التي ذكر فيها التحريف كأن يقول
وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ » .
وقوله تعالى
« مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ »
نص في التعمد وسوء القصد ، وإبطال لما عساه يعتذر لهم به من سوء الفهم ، ثم قال
« وَهُمْ يَعْلَمُونَ »
أي كانوا يفعلون فعلتهم الشنعاء في حال العلم بالصواب واستحضاره لا أنهم كانوا على نسيان أو ذهول . وفي هذين القيدين من النعي والتشنيع عليهم مالا مزيد عليه . وكيف وقد بطل بهما عذر الخطأ والنسيان ، وسجل عليهم تعمد الفسوق والعصيان .
ثم بعد هذا الاحتجاج انتقل إلى بيان بعض أحوال الذين كانوا في زمن التنزيل وقد غير الأسلوب هنا فإنه كان يحكى سيئاتهم مبتدئا بكلمة ( وإذ ) لأنه تذكير بما كان في الزمان الماضي . والابتداء بكلمة ( إذا ) هنا هو المناسب في الحكاية عن حال واقعة في الحال ، مستمرة في الاستقبال ، والمراد من حكاية