أحوال الحاضرين ، بيان أنها مساوية لأحوال سلفهم الغابرين ، وأنه لا يرجى من هؤلاء أفضل مما كان من أولئك . قال :
* * *
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا : آمَنَّا . وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا : أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ؟ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟
ترشد هذه الآية إلى طور من أطوار البشر في زمن الاصلاح وهي أن جماهير الناس يقعون في الحيرة بين الهداية الجديدة والتقاليد القديمة لا ينظرون إلى الحق فيتحروا اتباعه أين كان ، ولكنهم يفكرون في منفعتهم الخاصة . يقولون :
نخشى أن نجهر بالجديد فيخذل حزبه ويتفرق شمله ، فنكون من الخاسرين . ولا نأمن إن بقينا على القديم أن يتقلص ظله . ويذل أهله ، فنكون مع الضالين .
فالحزم أن نوافق كل حزب نخلو به ونعتذر إلى الآخر إذا هو علم بما كان منا إلى أن نتبين الفوز في أحد الفريقين : فيكونون هكذا مذبذبين كما قال تعالى
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
الخ الضمير في قالوا الثانية غير الضمير في قالوا الأولى كما هو ظاهر من السياق ، ولا لبس فيه ولا اشتباه ، ومثله مستفيض في كلام البلغاء وفي التنزيل أيضا كقوله تعالى
( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ )
فان المنهى عن العضل الأولياء لا المطلقون ، والكلام في القرآن للمكلفين كافة فيوجه كل كلام إلى صاحبه الذي يتعين أن يكون له بقرينة الحال أو المقال . فإذا وجه الخطاب بالطلاق إلى الأزواج لأنه لا يكون إلا منهم فكذلك يوجه الخطاب بالنهى عن العضل - وهو منع المرأة من التزوج - إلى الأولياء لأنه لا يكون إلا منهم . وعلى هذه الطريقة يتخرج قوله
( قالُوا آمَنَّا )
وقوله
( قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ )
فالكلام في مجموع اليهود ، ويوجه الأول إلى الذين يلاقون المؤمنين ( والثاني ) إلى الذين يلاقيهم هؤلاء من قومهم ويعدلونهم على الافضاء إلى المؤمنين بما فتح اللّه عليهم
المراد بالفتح هنا الانعام بالشريعة والأحكام ؛ والبشارة بالنبي عليه الصلاة والسّلام ، شبه الذي يعطى الشريعة بالمحصور يفتح عليه فيخرج من الضيق . أو معنى
( بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ )
بما حكم به وأخذ به الميثاق عليكم من الايمان بالنبي