تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
يلهون بها . وهذا هو محل الذم لا مجرد كونهم أميين ، فان الأمى قد يتلقى العلم عن العلماء الثقات ويعقله عنهم بدليله فيكون علمه صحيحا وهؤلاء لم يكونوا كذلك . فان قيل : لم سمى ما كانوا عليه من الأماني ظنا مع أنهم أخذوه عن رؤساء دينهم الموثوق بهم عندهم وسلموه تسليما فلم يكن في نفوسهم ما يخالفه ومثل هذا يسمى اعتقادا وعلما ؟ نقول إنما العلم بالدليل ولا يسمى مثل ذلك علما إلا من لا يعرف معنى العلم . على أنه لم يكن راجحا ومسلما إلا لأن مقابله لم يخطر ببالهم ولو أورد عليهم لتزلزل ما عندهم ثم زال ، أو ظهر فيه الشك وتطرق إليه الاحتمال ، ويصح أن يقال في مثل هؤلاء إن الظن أو التردد كان نائما في نفوسهم وهو عرضة لأن يوقظه نقيضه ويذهب به متى طرأ . ونوم الظن لا يصح أن يسمى اعتقادا قال الأستاذ الامام : هذه الأماني توجد في كل الأمم في حال الضعف والانحطاط يفتخرون بما بين أيديهم من الشريعة وبسلفهم الذين كانوا مهتدين بها وبما لهم من الآثار التي كانت ثمرة تلك الهداية ، وتسول لهم الأماني أن ذلك كاف في نجاتهم وسعادتهم وفضلهم على سائر الناس . هكذا كان اليهود في زمن التنزيل وقد اتبعنا سننهم وتلونا تلوهم فظهر فينا تأويل الحديث الصحيح « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع » وإننا نقرأ أخبارهم فنسخر منهم ولا نسخر من أنفسنا ، ونعجب لهم كيف رضوا بالأمانى ونحن غارقون فيها ثم إن الآية تدل على بطلان التقليد وعدم الاعتداد بإيمان صاحبه وقد مضى على هذا إجماع الصدر الأول وأهل القرون الثلاثة وإنما كان الجاهل يأخذ عن العالم العقيدة ببرهانها ، والأحكام بروايتها ، ولا يتقلد رأيه كيفما كان ، من غير بينة ولا برهان ، وفسر بعضهم الأماني بالأكاذيب ابتداء ومنهم من فسرها بالقراءات أي أنهم لاحظ لهم من الكتاب الا قراءة الفاظة من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في العمل . فهو على حد
( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً )
وقد ورد التمني بمعنى القراءة ومنه قول الشاعر :
تمنى كتاب اللّه أول ليله * تمنىّ داود الزبور على رسل
وهذا النوع من التمني قد برّز فيه المسلمون حتى سبقوا من قبلهم فقد أمسوا