أكثر الأمم تلاوة لكتابهم وأقلهم فهما له واهتداء به
قال الأستاذ الإمام : إنما يحسن تفسير هذه الآيات من كان على علم بتاريخ اليهود في ذلك العصر ووقوف على حالهم ، وإن كانت إلا نسخة من حال بعض الشعوب الموجودين الآن . . . كانوا أكثر الناس مراء وجدالا في الحق وان كان بينا باهرا ، وأشد الناس كذبا وغرورا وأكلا لأموال الناس بالباطل كالربا الفاحش وغشا وتدليسا وتلبيسا ، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب اللّه الخاص وأفضل الناس كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان . فهذه هي الأماني التي صدتهم عن قبول الإسلام
وأما اللفظ والنظم ففيه أن قوله تعالى
« إِلَّا أَمانِيَّ »
استثناء منقطع والعلم المنفى قاصر لا يشمل الأماني . ويصح أن يكون معتديا والآية على حد قولهم « ما علمت فلانا الا فاضلا » ويكون المعنى أنهم إنما يعلمون من الكتاب أنه مجموعة أماني يمنونها أنفسهم ، فهم لا يأخذون منه الا ما هو لهم ويمدهم في غرورهم ، وأما ما ينبههم على سيئات أعمالهم فكأنه غير معروف لهم من الكتاب . ثم قال جل ثناؤه
* * *
( 79 )
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ .
* * *
قال المفسر ( الجلال ) إنهم كانوا يكتبون الأحكام على خلاف ما هي عليه في الكتاب كآية الرجم ووصف النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم . وقال الأستاذ الإمام لو كان هذا هو المراد من هذه الآية لما بدىء الكلام بالفاء وإنما الآية وعيد على أن لبسوا على الناس بالكتابة وتأليف الكتب الدينية وإيهام العامة أن كل ما كتبوه فيها مأخوذ من كتاب اللّه كما يعتقد المقلدون من كل ملة بكتب الدين التي يألفها علماؤهم في الأصول والفروع حتى أن بعضهم يقول إن اختلافها لا ينافي كونها من عند اللّه خلافا لقوله تعالى
( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) .
فهذه الكتب هي مثار الأماني والغرور ولذلك أنذر على