تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
إلى دركة الجماد كالحجارة ، بل نزلوا عن دركة الحجارة أيضا ، وذلك ما أفاده قوله تعالى
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
التفجر تفعل من الفجر وهو الشق الواسع يكون للمطاوعة كفجرته فتفجر ( بالتشديد فيهما ) ويكون لتكرر الفعل وحصوله مرة بعد أخرى ، ومثله التشقق إلا أنه أعم ، ولما في التفجر من معنى السعة عبر به عن خروج الأنهار من الصخور الكبار وهو معهود في الجبال ، وعبر بالتشقق لخروج الماء الذي يصدق بالقليل منه . والمعنى أن هذه الحجارة على صلابتها وقسوتها تتأثر بالماء الرقيق اللطيف فيشقها وينفذ منها بقلة أو كثرة فيحيى الأرض وينفع النبات والحيوان . وأما هذه القلوب فلم تعد تتأثر بالحكم والنذر ولا بالعظات والعبر ، فالحكم لا تقوى على شقها والنفوذ منها إلى أعماق الوجدان ، وأنوار الفطرة قد انطفأت فيها فلا يظهر شعاعها على انسان ، ومن الحجارة ما يشقه الماء القليل كماء العيون والينابيع الحجرية ، ومنها مالا يفجره إلا الماء القوى الغمر الذي يسمى نهرا
( وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )
وهو ما ينحط من أعلى الجبل ومن أثنائه بسبب أثر من آثار القهر الإلهى كالبراكين والصواعق التي تهبط بها الصخور وتندك الجبال ، وقد جعل هذا شبها للآيات الإلهية التي أظهرها على يد عبده ونبيه موسى عليه السّلام فهي حوادث عظيمة في الكون تفزع بها نفوس المؤمنين إلى اللّه ، وتخشع لأمره ونهيه ، لعظمتها وخفاء سر إيجادها . كما تفزع النفوس من حوادث البراكين والصواعق التي تدك الصخور وتدمر الحصون ، وقد أصبحت تلك القلوب بعد مشاهدة الآيات لا تتأثر بها ولا تزداد إيمانا . فملخص التشبيه أن قلوبكم تشبه الحجارة في القسوة بل قد تزيد في القساوة عنها ، فإن الحجارة الصم تتأثر في باطنها بالماء اللطيف النافع بعضها بالقوى منه وبعضها بالضعيف ؛ ولكن قلوبكم لا تتأثر بالحكم والمواعظ التي من شأنها التأثير في الوجدان ، والنفوذ إلى الجنان ، والحجارة تتأثر بالحوادث الهائلة التي يحدثها اللّه في الكون كالصواعق والزلازل ، ولكن قلوبكم لم تتأثر بتلك الآيات الإلهية « تفسير القرآن الحكيم » « 23 » « الجزء الأول »