تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .
* * * ( أقول ) وصفهم اللّه تعالى بأنه قد طرأ عليهم بعد رؤية تلك الآيات ما زال أثرها من قلوبهم ، وذهب بعبرتها من عقولهم ، فقال
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
فالعطف بثم يفيد أن الأولين منهم قد خشعت قلوبهم لما رأوا في زمن موسى عليه السّلام ما رأوا ثم خلف من بعدهم خلف كان أمر قسوتها ما وصفه عز وجل . والقسوة الصلابة وهي من صفات الأجسام . ووصف القلوب بالقسوة مجاز تشبيه مما يسمونه الاستعارة بالكناية ، ويصح في « أو » الترديد والتشكيك وهو بالنسبة إلى المخاطبين لا إلى المتكلم باعتبار ما يعهد في التخاطب العربي كأن عربيا يحدث آخر ويقول له : إن هذه القلوب في قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها . ويصح فيها التقسيم أي إن القسوة عمت قلوبكم فأقلها قسوة يشبه الحجر الصلد ، ومنها ما هو أشد منه قسوة وأظهر منهما أن تكون للاضراب على طريقة المبالغة ، أي بل هي أشد قسوة من الحجارة ، إذ لا شعور فيها يأتي بخير ، ولا عاطفة تفيض منها بعبرة ، والحجارة ليست كذلك ، لأن منها ما يفيض بالخيرات ، ومنها ما يكون موضع ظهور آثار القدرة الإلهية في الجمادات . وصف الحجارة بالثلاث الصفات الآتية بعد أن شبه القلوب بها في الصلابة المطلقة ، وفرق بين القلوب وبينها بالاضراب والانتقال إلى أن القلوب أشد صلابة ، وأراد أن يبين بهذه الصفات وجه ضعف الصلابة في الحجارة وشدتها في القلوب مكان الكلام يشبه أن يكون عذرا عن الحجارة دون القلوب ، والمراد بالقلوب ما اعتبرت عنوانا له وهو الوجدان والعقل ، وأكثر ما تستعمل في الأول لأنه سائق الإقناع والإذعان ، ويطلق لفظ القلب على النفس الناطقة لأن من شأن القلب أن يتأثر مما يتأثر منه الوجدان أو العقل أو الروح مطلقا . وفي الكلام من المبالغة أن هذه القلوب فقدت خاصة التأثر والانفعال بما يرد عليها من المواعظ والآيات التي هي من خواص الروح الإنساني حتى كأن أصحابها هبطوا من درجة الحيوان