تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
الحقيقة ولذلك قال تعالى بعد التذكير بالجريمة
وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
من الإيقاع بقوم برآء تتهمونهم بالقتل لإخفاء القاتل لأنه لا يخفى عليه مكركم . * * * وأما قوله
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
فهو بيان لإخراج ما يكتمون . ويروون في هذا الضرب روايات كثيرة . قيل إن المراد اضربوا المقتول بلسانها وقيل بفخذها وقيل بذنبها . . . وقالوا إنهم ضربوه فعادت إليه الحياة وقال : قتلني أخي أو ابن أخي فلان الخ ما قالوه ؛ والآية ليست نصا في مجمله فكيف بتفصيله . والظاهر مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره ، فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية . ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس أي يحييها بمثل هذه الأحكام . وهذا الإحياء على حد قوله تعالى ( 5 : 32
وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )
وقوله
( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ )
فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين . ثم قال
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
بما يفصل بها في الخصومات ، ويزيل من أسباب الفتن والعداوات ، فهو كقوله تعالى ( 4 : 51 )
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ )
وأكثر ما يستعمل مثل هذا التعبير في آيات اللّه في خلقه الدالة على صدق رسله . وليس عندي شئ عن شيخنا في تفسير هذه الجملة ولكنه قال في تعليلها ما يرجح القول الأول وهو
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
أي تفقهون أسرار الأحكام وفائدة الخضوع للشريعة ، فلا تتوهمون أن ما وقع مختص بهذه الواقعة في هذا الوقت ، بل يجب أن تتلقوا أمر اللّه في كل وقت بالقبول من غير تعنت : قال تعالى : * * * ( 74 )
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 351 | الشيخ محمد رشيد رضا