أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم » وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعا مرسلا : وههنا يذكر المفسرون قصة في حكمة هذا التشديد وهو المصير إلى بقرة معينة لشخص معين كان بارا بوالدته وقد يكون هذا صحيحا غير أنه لا داعى إليه في التفسير وبيان المعنى . وقد يشتبه بعض الناس فيما ذكر بأن أحكام اللّه تعالى لا تكون تابعة لأفعال الناس العارضة ويرد هذه الشبهة أن التكليف كثيرا ما يكون عقوبة لأنه تربية للناس وقد وردت الأسئلة والأجوبة في هذه القصة مفصولة غير موصولة بالفاء وذلك ما يقتضيه الأسلوب البليغ فقد تقرر في البلاغة أن القول إذا أشعر بسؤال كان ما يأتي بعده مما يصح أن يكون جوابا للسؤال المقدر مفصولا عما قبله ، وقوله
( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً )
يشعر بسؤال كأنه قيل ما ذا كان منهم بعد الأمر فأجيب عنه بقوله
( قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً )
وهذا يشعر بسؤال أيضا كأنه قيل ماذا قال موسى إذ قالوا ذلك فأجاب
( قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ )
الخ وهكذا ورد غيرها من المراجعات في التنزيل كما ترى في قصة موسى وفرعون
* * *
( 72 )
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
* * *
هذا هو أول القصة المحتوية على المخالفة على ما أشرنا إليه وهي القتل ثم التنازع في القاتل ثم تشريع الحكم لكشف الحقيقة بذبح البقرة وما كان من إلحاحهم في السؤال على ما سبق . فقوله تعالى
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها
أسند فيه القتل إلى الأمة وإن كان القاتل واحدا باعتبار ما تقدم من كونها في مجموعها وتكافلها كالشخص الواحد . والتدارؤ تفاعل من الدرء وهو الدفع فمعناه التدافع وهو يدل على أنه كان خصام واتهام ، وكان كل يدرأ عن نفسه ويدعى البراءة ويتهم غيره ، وكان للقاتلين والعارفين بهم حظوظ وأهواء كتموا فيها