آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( 64 )
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
* * *
أطمع اللّه تعالى بالآية السابقة بني إسرائيل في رحمته بعد ما قرعهم بالنذر التي تكاد توقع اليأس في قلوبهم ، وبين لهم ولسائر الناس أن المنفذ إلى هذا الطمع بل الباب الذي يؤدى إلى هذا الرجاء هو الجمع بين الأمرين اللذين بعث لتقريرهما الأنبياء عليهم السّلام وهما الإيمان الصحيح اليقيني والعمل الصالح ، وإشراك غير بني إسرائيل في هذا الحكم لا يقضى بانتهاء السياق ، بل لا يزال الكلام في بني إسرائيل ، ولذلك عقب الأطماع بالتذكير ببعض الوقائع التي استحقوا فيها العقوبة فحالت دون وقوعها الرحمة فقال
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ
وهو العهد الذي أخذه عليهم وتقدم الكلام فيه ، وأما قوله
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ
فقد ذكر المفسرون فيه قصة وهي أن اللّه تعالى ظلل بني إسرائيل بالطور وهو الجبل المعروف وخوفهم برفعه فوقهم ليذعنوا ويؤمنوا . ثم اعترض عليه بعضهم بأنه اكراه على الإيمان وإلجاء إليه وذلك ينافي التكليف ، وأجيب بأجوبة منها أن ما يفعل بالاكراه يعود اختياريا بعد زوال ما به الاكراه ، ومنها أن مثل هذا الالجاء والاكراه كان جائزا في الأمم السابقة ، ويزيد من قال هذا أن نفى الاكراه في الدين خاص بالاسلام لقوله تعالى
( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ )
وقوله
( أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )
قال الأستاذ الامام : لا حاجة لنا في فهم كتاب اللّه إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح فهو لا يحتاج في فهمه إلى إضافات ولا ملحقات ، وقد ذكر لنا مسألة رفع الطور فوق بني إسرائيل ولم يقل إنه أراد بذلك الاكراه على الإيمان ، وانما حكى عنهم في آية أخرى أنهم ظنوا أنه واقع بهم فقد قال تعالى في سورة الأعراف
( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
والنتق الزعزعة والهز والجذب والنفض ونتق الشئ ينتقه وينتقه - من بابى ضرب ونصر - نتقا جذبه واقتلعه وقد يكون ذلك في الآية بضرب من الزلزال كما يدل عليه التعبير بالنتق وهو في الأصل بمعني الزعزعة