تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
تؤثر عن المسيح عليه السّلام ، والنصارى صاروا أشد أمم الأرض عتوا وطمعا وإسرافا في حظوظ الدنيا . ويقال إن الصابئة ملة مستقلة يؤمنون بكثير من الأنبياء المعروفين ولكن قد اختلط عليهم الأمر كما اختلط على الحنفاء من العرب إلا أن عندهم من التقاليد والأحكام ما لم يكن عند العرب ، فان كانوا أقرب إليهم فلهم حكمهم وإلا فهم كاليهود والنصارى يسئلون عن العمل بدينهم بعد فهمه كما يجب حتى يأتيهم هدى آخر ، كأن تبلغهم دعوة الاسلام فإن لم يفعلوا فهم مؤاخذون علمنا أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة صحيحة تحرك إلى النظر أو بلغهم أن بعض الأنبياء بعثوا ولكن لم يصل إليهم شئ صحيح من شرائعهم ، فهم يؤمنون بهم إيمانا إجماليا كالحنفاء من العرب الذين كانوا يؤمنون بإبراهيم وإسماعيل ولا يعرفون من دينهما شيئا خالصا كما تقدم آنفا . وحجة الأشاعرة على عدم مؤاخذتهم آيات كقوله تعالى ( 17 : 15
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )
وقوله ( 4 : 165
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )
وذهب كثير منهم إلى الاكتفاء ببلوغ دعوة أي نبي في ركنى الدين الركينين وهما الايمان باللّه وباليوم الآخر ، فمن بلغته وجب عليه الايمان بهذين الأصلين ، وإن لم يكن النبي مرسلا اليه وذهب جمهور الحنفية وكذلك المعتزلة إلى أن أصول الاعتقاد تدرك بالعقل فلا تتوقف المؤاخذة عليها على بلوغ دعوة رسول ، وإنما يجيىء الرسل مؤكدين لما يفهم العقل موضحين له ومبينين أمورا لا يستقل بإدراكها كأحوال الآخرة وكيفيات العبادة التي ترضى اللّه تعالى . وأولوا آية
( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )
بأن المراد بالتعذيب هو الاستئصال في الدنيا بإفناء الأمة أو استذلالها ، والذهاب باستقلالها ، وينافيه ما يدل عليه استعمال « وما كنا » من إرادة نفى الشأن الدال على عموم السلب ، ولهم في كتبهم أدلة ومناقشات ليس هذا من مواضعها وعن الامام الغزالي أن الناس في شأن بعثة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أصناف ثلاثة - من لم يعلم بها بالمرة - أي كأهل أمريكا لذلك العهد - وهؤلاء ناجون حتما ( أي إن لم تكن بلغتهم دعوة أخرى صحيحة ) ومن بلغته الدعوة على وجهها ولم ينظر في أدلتها إهمالا أو عنادا أو استكبارا ، وهؤلاء مؤاخذون حتما ومن بلغته