لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل . والحكمة في عناية اللّه تعالى بالنعى على المغترين بالانتساب إلى الدين أيا كان ظاهرة ، فان هذا الغرور هو الذي صرفهم عن العمل به اكتفاء بالانتساب إليه وجعله جنسية فقط . وترك العمل لازم أو ملزوم لعدم الفقه في الدين ، أي عدم فهم حكمه وأسراره ، وتبع هذا في الأمم السابقة ترك النظر فيما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لأن المغرور بما هو فيه لا ينظر فيما سواه نظرا صحيحا لا سيما إذا كان مخالفا له .
وذكر الأستاذ الإمام في تفسير هذه الآية مسألة أهل الفترة والخلاف المشهور فيها وهو أن جمهور أهل السنة يقول إنهم ناجون لأنه لا تكليف إلا بشرع وهؤلاء لم تبلغهم دعوة ، ومن قال إن بالعقل يدرك الواجب والمحرم والاعتقاد الصحيح والباطل عدهم غير ناجين . وهذا رأى المعتزلة وجماعة من الحنفية ، وجمهور الأشاعرة على أنه لا يمكن إدراك ذلك إلا بالشرع ، ثم إن محل النظر في أهل الفترة من كان منهم كالعرب الذين كانوا يعتقدون نبوة أنبياء ولا يجدون لديهم شيئا من أحكام دينهم خالصا من الشوائب سالما من النزغات الفاسدة . وأما مثل اليهود فلا يصح أن يسموا أهل فترة فإنهم على نسيانهم حظا مما ذكروا به وتحريفهم بعض ما حفظوا قد بقي جوهر دينهم معروفا لم يغش أحكامه ما يمنع الاهتداء بها واللّه تعالى يقول ( 5 : 43
وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ )
وكذلك المسيحيون لا يسمون أهل فترة لأن عندهم في التوراة ووصايا الأنبياء ما عند اليهود وزيادة مما حفظوا من وصايا المسيح وروح الدعوة موجود عندهم ، ولكنهم لا يعملون بهذه الوصايا ولا يأخذون بتلك الاحكام ، ولا عذر لهم يحول دون العقوبة . وأما الصابئون فان كانوا فرقة من النصارى كما يظهر من الوفاق بينهما في كثير من التقاليد كالمعمودية والاعتراف وتعظيم يوم الأحد فالأمر ظاهر أن حكمهم كحكمهم وإن كان الخلط عندهم أكثر ، والبعد عن الأصل أشد ، حتى إنهم اعتقدوا تأثير الكواكب ، وأحاطت بهم البدع من كل جانب ، على أنهم أقرب إلى روح المسيحية من النصارى فان عندهم الزهد والتواضع اللذين يفيضان من كل كلمة « تفسير القرآن الحكيم » « 22 » « الجزء الأول »