تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
الشديدة وراء ما يفوتهم من خيرات البستان ، وما يذوقون من مرارة سوء المعاملة فيما بينهم ، فكان حظهم من الكتاب تعظيم رقه وورقه ، والتغني بلفظه ، وتكرار تلاوته ، بدون مبالاة بالأمر والنهى ولا اعتبار بالوعد والوعيد فيه ، بل عاثوا في أرض البستان مفسدين فأهلكوا الحرث والنسل ، فهل يكون حظ هؤلاء من الكتاب غير أنه حجة عليهم ، وقاطع لألسنة العذر منهم ؟ ؟ أمرهم بالذكر الذي يثبت بالعمل ، ووصله بذكر فائدته وهي إعداده النفس لتقوى اللّه عز وجل ، فقال
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
فان المواظبة على العمل بما يرشد إليه الكتاب تطبع في النفس ملكة مراقبة اللّه تعالى فتكون بها نقية نقية ، راضية مرضية
( وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى )
* * * وبعد أن ذكر لهم تلك الآية ، وما اتصل بها من الهداية ، ذكرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والاعراض عن القبول ، ثم امتنّ عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة ، والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة ، فقال :
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي ثم أعرضتم وانصرفتم عن الطاعة من بعد أخذ الميثاق ومشاهدة الآيات التي تؤثر في القلوب ، وتستكين لها النفوس
فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
أي إنكم بتوليكم استحققتم العقاب ، ولكن حال دون نزوله بكم فضل اللّه عليكم ورحمته بكم ، ولولا ذلك لخسرتم سعادة الدنيا وهو التمكن في الأرض المقدسة التي تفيض لبنا وعسلا ، ثم خسرتم سعادة الآخرة وهي خير ثوابا وخير أملا . فمن فضله وإحسانه أن وفقكم للعمل بالميثاق بعد ذلك شايع الأستاذ الامام المفسرين على أن رفع الطور كان آية كونية ، أي أنه انتزع من الأرض وصار معلقا فوقهم في الهواء ، وهذا هو المتبادر من الآية بمعونة السياق ، وإن لم تكن ألفاظها نصا فيه ، إذ الرفع والارتفاع هو جعل الشئ - أو أن يكون الشئ - رفيعا عاليا كما قال تعالى
( فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ )
وقال
( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ )
فكل من السرر والفرش تكون مرفوعة وهي على الأرض . وقوله تعالى في آية الأعراف
( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ )
ليس نصا أيضا في كون الجبل رفع في الهواء . فأصل النتق في اللغة الزعزعة والزلزلة كما سبق . قال في حقيقة