والنفض والمفهوم من أخذ الميثاق أنهم قبلوا الايمان وعاهدوا موسى عليه . فرفع الطور وظنهم أنه واقع بهم من الآيات التي رأوها بعد أخذ الميثاق كان لأجل أخذ ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد لأن رؤية الآيات تقوى الايمان ، وتحرك الشعور والوجدان ، ولذلك خاطبهم عند رؤية تلك الآية بقوله
خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
أي تمسكوا به واعملوا بجد ونشاط ، لا يلابس نفوسكم فيه ضعف ، ولا يصحبها وهن ولا وهم ، ثم قال
وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
أي بالمحافظة على العمل به ، فان العمل هو الذي يجعل العلم راسخا في النفس مستقرا عندها ، ويؤثر عن أمير المؤمنين على كرم اللّه وجهه أنه قال : يهتف العلم بالعمل . فان أجابه وإلا ارتحل . وذلك أن العلم إنما يحضر في النفس مجملا غير سالم من إبهام وغموض ، فإذا برز للوجود بالعمل صار تفصيليا جليا ، ثم ينقلب النظري منه بالتكرار والمواظبة بديهيا ضروريا .
وبذلك يثبت فلا ينسى . وأما النسيان فإنه حليف الكفر وإنه ليصل بالإنسان إلى حد يساوى فيه من لم تسبق له معرفة بالشئ قط لأنه لا أثر له في النفس ولا في الظاهر . ولا فرق بين من بلغته دعوة الهداية فسلم بها وقبلها ثم ترك العمل بها حتى نسيها ، وبين من لم تبلغه البتة ومن بلغته على وجه غير مقنع فلم يؤمن - إلا بما تكون الحجة به على الأول أظهر ، وكونه بالمؤاخذة أجدر ، والثاني معذور عند الجماهير ، وكذلك الثالث إذا استمر على النظر من غير تقصير ، فعلى هذا تكون منزلة الناسي هي التي تلى منزلة الجاحد المعاند ، وهو خليق بأن يحشر يوم القيامة أعمى عن طريق النجاة والسعادة ، حتى إذا لقى ربه قال ( 20 : 124
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ؟ قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى )
وأقول : إن في هذا الحجة على قراء القرآن الذين ليس لهم منه إلا التغني بألفاظه وأفئدتهم هواء لا أثر فيها للقرآن ، وأعمالهم لا تنطبق على ما جاء به القرآن ، وهذا شر نوعي الإنسان ، وقد ضرب له أبو حامد الغزالي مثل عبيد أقطعهم سيدهم بستانا وكلفهم إصلاحه وعمارته ، وكتب لهم كتابا يبين لهم فيه كيف يسيرون في هذا الاصلاح ، وكيف تكون حياتهم فيه ، ووعدهم على الاحسان بمكافأة وأجر فوق ما يستفيدونه من ثمرات البستان وغلاته ، وتوعدهم على الإساءة في العمل بالعقوبة