اللّه على بني إسرائيل يتم بهذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم ولا ينافي الامتنان به عليهم كونه ليس آية لموسى عليه السّلام ، فان نعم اللّه بغير طريق المعجزات أعم وأكثر - كذا قالوا ، قال شيخنا : ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه بالطود العظيم . وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء
( فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ )
وهو الموافق لما في التوراة . ا ه
ويقول المؤولون إنهم لما عبروا انفرق بهم وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض قد جعلوا ذلك الماء الرقارق فرقين عظيمين ممتدين كالطودين وأن هذه الآية تشعر بذلك ، فإنه يقول
( وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ )
ولم يقل : فرقنا لكم البحر :
والظاهر أن الباء هنا للآلة ، كما تقول قطعت بالسكين : وأما قوله تعالى ( 26 : 63
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ )
فإنه لا ينافي أن الانفلاق كان بهم كما في آية البقرة لا بالعصا ، وذلك أن الذي أوحاه اللّه تعالى إلى موسى هو أن يخوض البحر ببنى إسرائيل وقد عهد أن من كان بيده عصا إذا أراد الخوض في ماء كترعة أو نهر فإنه يضرب الماء أولا بعصاه ثم يمشى ، فهذه الآية معبرة عن هذا المعنى أي ألهمه اللّه عندما وصل إلى البحر أن يضربه بعصاه ويمشى ففعل ومشى وراءه بنو إسرائيل بجمعهم الكبير ، فانفلق بهم البحر . وأما قوله تعالى
( فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ )
فهو تشبيه معهود مثله في مقام المبالغة ، كقوله تعالى ( 11 : 42
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ )
وقوله ( 42 : 32
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ )
فالأمواج والسفن الجواري لا تكون كالجبال الشاهقة ، والأعلام الباسقة ، وإنما تقضى البلاغة بمثل هذا التعبير ، لكمال التصوير وإرادة التأثير
هذا ما ينتهى إليه تأويل المؤولين ولم يبسطه الأستاذ الإمام في الدرس ، وإنما قرر أن فرق البحر كان معجزة لموسى عليه السّلام ، وحكى عن المتهورين من الذين لا يحبون المعجزات خلافه ، وهو أنهم يزعمون أن عبور البحر كان في وقت الجزر وإنما بسطنا تأويلهم لئلا يتوهموا أننا لم نقل به لأننا لم نهتد لتوجيهه مثلهم ، ولا يهمنا أن ننازعهم في تأويل آية بخصوصها إذا علمنا أنهم يثبتون الآيات الكونية تأييدا