تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
ارتفاعهما لا مانع من وقوعها بقدرة اللّه تعالى على يد نبي من الأنبياء ، ويجب أن نؤمن بها على ظاهرها ، ولا يمنعنا هذا الإيمان من الاهتداء بسنن اللّه تعالى في الخلق واعتقاد أنها لا تتبدل ولا تتحول ، كما قال اللّه في كتابه الذي ختم به الوحي ، على لسان نبيه الذي ختم به النبيين ، فانتهى بذلك زمن المعجزات ، ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد ، فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل عن الاعتدال في الفكر والأخلاق والأعمال ، كما كان في سن الطفولية ( النوعية ) بل أرشده تعالى بالوحي الأخير ( القرآن ) إلى استعمال عقله في تحصيل الإيمان باللّه وبالوحي ، ثم جعل له كل ارشادات الوحي مبينة معللة مدللة حتى في مقام الأدب ( كما أوضحنا ذلك في رسالة التوحيد ) فإيماننا بما أيد اللّه تعالى به الأنبياء من الآيات لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتق عقولهم إلى فهم البرهان ، لا ينافي كون ديننا هو دين العقل والفطرة وكونه حتم علينا الإيمان بما يشهد له العيان ، من أن سننه تعالى في الخلق لا تبديل لها ولا تحويل ( أقول ) وجملة القول أن الذي يمنعه العقل هو وقوع المحال ، فلا يمكن أن يؤيد نبي بما هو مستحيل عقلا ، لأن الستحيل هو الذي لا يمكن وقوعه وما وقع لا يكون مستحيلا . ولذلك سمى المتكلمون المعجزات « خوارق العادات » ومنهم من يقول : إن لها أسبابا خفية روحية لم يطلع اللّه الأمم عليها ولكنه خص بها الأنبياء عليهم السّلام . والمشهور : أن اللّه يخلقها بغير سبب لتدل على أن السنن والنواميس لا تحكم على واضعها ومدبرها ، وإنما هو الحاكم المتصرف بها ، وإنما كان هذا هو المشهور لأنه الظاهر ، والا فمن ذا الذي يستطيع أن ينفى ذلك النفي المطلق عن عالم الغيب ؟ وقد ذكر القولين الإمام الغزالي وأشار إليهما الأستاذ الإمام في رسالة التوحيد ( قال ) وزعم الذين لا يحبون المعجزات من المتهورين أن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر ، فإن في البحر الأحمر رقارق إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدا يتيسر للانسان أن يعبر ماشيا ولما اتبعهم فرعون بجنوده ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم وكان المد تفيض ثوائبه ( وهي المياه التي تجىء عقيب الجزر ) فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين ، تحقق إنعام