الأبناء - : يحفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن اللّه لا يسود عليهم شعبا آخر ، وهو مع هذا لا ينفر بها عن الاصغاء والتدبر ، لأنه لم يفاجئها بشئ فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها . ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها ، إذ لا يشوب الفخر بها تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها ، وهي فرق البحر بهم ، وانجاؤهم ، واغراق عدوهم .
لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عندما تلا عليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية لما فيها من الشهادة بعناية اللّه تعالى بهم ، ولا سيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة ، لم يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها ، وتتمادى في إبائها وزهوها ، بل عقب عليها فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم وهي اتخاذ العجل إلها ، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم ، وختمها بذكر العفو ، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعور اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف ، وشعور رميه إياها بالظلم والسرف .
بعد هذا كله استعدت تلك النفوس لأن تسمع آيات مبدوءة بذكر سيئاتها من غير تمهيد ولا توطئة ، فانتقل الكلام إلى هذا الضرب من التذكير مبدوء بقوله تعالى
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
أي واذكر أيها الرسول فيما تلقيه على بني إسرائيل وغيرهم إذ قال موسى لقومه الذين اتخذوا من حليهم عجلا عبدوه إذ كان يناجى ربه في الميقاتين الزماني والمكاني
يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ
إلها عبدتموه . والقصة مفصلة في سورتي الأعراف وطه المكيتين لأن قصة موسى فيهما مقصودة بالذات ، وأما ما هنا فهو تذكير لبنى إسرائيل بما تقدم وجهه في سياق دعوتهم إلى الإسلام
فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
أي فتوبوا إلى خالقكم الذي لا يجوز أن تعبدوا معه إلها آخر هو أدنى منكم ، وهو من خلقكم ، أي تقديركم وصنعكم ، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضا ، فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه ، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليبخع كل من عبد العجل نفسه انتحارا .