كونه تفصيلا لما قبله من حيث التذكير بالنعم ، مجمل من حيث الانجاء ، فإنه يشمل النجاة بجميع أنواعها من ذلك العذاب . وذكر في هذه الآية نعمته في طريق الانجاء بالتفصيل بعد الإجمال لبيان عناية اللّه تعالى بهم فيها ، إذ جعل وسيلته من خوارق العادات ؛ وجعل في طريقه هلاك عدوهم . وقد يقال : إن هذه نعمة مستقلة من نعمه تعالى عليهم ، لا أنها بيان الإجمال في التي قبلها .
لما أرسل اللّه تعالى موسى عليه السّلام إلى فرعون وملئه يدعوهم إلى توحيد اللّه وإلى أن يخلى بينه وبين شعب إسرائيل بعد إطلاقهم من ذلك الاستعباد والتعذيب لم يزدهم فرعون إلا تعذيبا وتعبيدا . وفي سفر الخروج من تاريخ التوراة أن اللّه تعالى أنبأ موسى بأنه يقسى قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني إسرائيل ولا يرسلهم مع موسى حتى يريه آياته . وأنه بعد الدعوة زاد ظلما وعتوا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللبن ( الطوب ) ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن لا يخفف عنهم منه شئ . فأعطى اللّه تعالى موسى وأخاه هارون الآيات البينات ، فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من اللّه تعالى ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات اللّه لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردا ، وفي سفر الخروج أنهم خرجوا في شهر أبيب وكانت إقامتهم في مصر 430 سنة . ثم أتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليمّ ما غشيهم وأنجى اللّه بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه ، وذلك قوله عز وجل :
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ
أي واذكروا من نعمنا عليكم إذ فرقنا بكم البحر فجعلنا لكم فيه طريقا يبسا سلكتموه في هربكم من فرعون
فَأَنْجَيْناكُمْ
بعبوره من جانب إلى آخر
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ
إذ عبروا وراءكم
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
ذلك بأعينكم ، ولولاه لعظم عليكم خبر غرقهم ولم تصدقوه .
( قال الأستاذ الإمام ) فلق البحر كان من معجزات موسى . وقد قلنا في رسالة التوحيد : إن الخوارق الجائزة عقلا أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا