نكتفي الآن بهذا التنبيه ونعود إلى إتمام تفسير الآية التي صرفتنا إليه بمخاطبة بني إسرائيل في زمن تنزيل القرآن بما كان من تعذيب آل فرعون لسلفهم وانعام اللّه عليهم بالانجاء من ذلك العذاب .
أول من دخل مصر من بني إسرائيل هو يوسف عليه السّلام وانضم إليه بعد ذلك إخوته ونما نسله ونسلهم فيها وكثر ، حتى قيل : إنهم كانوا يوم خرجوا من مصر ستمائة ألف وهذا النمو كان في مدة أربعمائة سنة . وكان المصريون من آل فرعون لا يحبون مساكنة الغرباء « 1 » فلما رأى فرعون نمو شعب إسرائيل خاف مغبة الأمر ، لأنه كان يعلم أنهم إذا كثروا يتبسطون في الأرض ويزاحمون المصريين فطفق يستذلهم ويكلفهم الأعمال الشاقة ، كصنع الطوب لبناء الهياكل والبرابى لعلمه بأن الذل يقلل النسل ويفضى بالأمة إلى الانقراض ، ولكنهم ظلوا مع الاستدلال يتناسلون ويكثرون . فلما رآهم الحكام المصريون يزدادون نسلا ، وأنهم مع هذا محافظون على عاداتهم وتقاليدهم ولا يمازجون المصريين وعندهم الأثرة والإباء لاعتقادهم أنهم شعب اللّه وأفضل خلقه ، خافوا أن يقووا بالكثرة فيعدوا عليهم ويغلبوهم على بلادهم كلها أو بعضها ، وإنما كانوا يزدادون على الذل نسلا لأن الذل لا يؤثر إلا في الزمن الطويل ، ذلك بأن الذليل الذي لا تطلق إرادته في أعماله هو
هامش
( 1 ) يوجد في المصريين الآن من يكتب ويخطب لاحياء سنة آل فرعون ببغض المهاجرين إلى مصر ويبغض فيهم وإن كانوا على لغته ومن أتباع حكومته العثمانية ، وكذا من أهل الدين الذي ينتمى إليه . ويوجد شر ذمة من المصريين تلغط بلفظ المصريين والدخلاء ، انخداعا بالدعوة إلى السنة الفرعونية التي تبطل إذا نجحت « ولن تنجح » سنة القرآن الذي أرشد إلى أن اللّه جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتمازجوا ، وجعل أكرمهم أتقاهم وأنفعهم لعباده ، وقد اهتدى فلاسفة أوروبا إلى أن هذه السنة غاية كمال البشر ا ه من حاشية المنار سنة 1320
وأقول الآن عند طبع هذا مستقلا في أوائل سنة 1346 : إن تلك النزعة قد قويت ووجد من القبط وزنادقة المسلمين من يجعلون الجنسية المصرية فوق الاسلام ومنهم من يدعون إلى التفصي من الدين والجنسية العربية وإلى استبدال التفرنج بهما كما فعل الكماليون في الترك .