تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
بكل اعتناء ودقه ، حتى كانوا يروون البيت من الشعر أو النكتة بين العاشق ومعشوقته بالأسانيد المتصلة ، وليست هذه المبالغة مما يؤخذ عليهم فإن الأمة إنما تكون أمة بدينها ولغتها وأخلاقها وعاداتها ، فإذا لم يحفظ خلفها عن سلفها هذه المقومات « 1 » بحفظ تاريخها تكون عرضة للتغير بتأثير حوادث الزمان وتقلبات شؤون الاجتماع مع جهل المتأخر بما كان عليه المتقدم وبكيفية حدوث التغيير الضار للجهل بالتاريخ . بهذا تفعل فواعل الكون بالأمة الجاهلة أفاعيلها حتى تقلب كيانها ، وتقوض بنيانها ، وتقطع عرى الربط العامة بين أفرادها ، فلا يكون لهم عمل إلا للمصلحة الشخصية ، وهي لا حفاظ لها في مجموع الأمة إلا بالمصلحة العامة ، فإذا أهملت تكون الأمة من الهالكين . عنيت أمتنا بالتاريخ عناية لم تسبقها به أمة فلم تكتف بضبط الوقائع وتلقيها بالرواية كالسنة النبوية ؛ بل تفننت فيها فصنفت في تاريخ الأشخاص كما صنفت في تاريخ البلاد والشعوب ، ثم نوعت تاريخ الأشخاص فجعلت لكل طبقة تاريخا فترى في المكاتب طبقات المفسرين وطبقات المحدثين وطبقات النحويين وطبقات الأطباء وطبقات الشعراء إلى غير ذلك . ثم اهتدى بعضهم إلى استنباط قواعد العمران وأصول الاجتماع من التاريخ فصنف ابن خلدون في ذلك مقدمة تاريخه . ولو لم تنقطع بنا سلسلة العلم من ذلك العهد لكنا أتممنا ما بدأ به سلفنا ولكننا تركناه وسبقنا غيرنا إلى إتمامه واستثماره . فالتاريخ هو المرشد الأكبر للأمم العزيزة اليوم إلى ما هي فيه من سعة العمران . وعزة السلطان ؛ وكان القرآن هو المرشد الأول للمسلمين إلى العناية بالتاريخ ومعرفة سنن اللّه في الأمم منه ، وكان الاعتقاد بوجوب حفظ السنة وسيرة السلف هو المرشد الثاني إلى ذلك . فلما صار الدين يؤخذ من غير الكتاب والسنة أهمل التاريخ بل صار ممقوتا عند أكثر المشتغلين بعلم الدين ، فان وجد من يلتفت إليه فإنما يكون متبعا في ذلك سنة قوم آخرين ،
هامش
( 1 ) المراد بالمقومات : ما به قوام الأمة من صفاتها التي تفصلها عن غيرها كمقومات الفصول لأنواع الجنس في اصطلاح المنطق ، وقد سبقت إلى استعمال هذا الاصطلاح شؤون الأمم هنا وفي المنار فيما أعلم ثم استعمله الكتاب