تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
الكلام نص صريح لا يحتاج إلى التأويل . فالروابط الاجتماعية بين أفراد الأمم وجماعاتها كالروابط الحيوية بين أعضاء الشخص الواحد بلا فرق . تعثر الرجل فتخدش أوتوثأ ، والألم يلم بالشخص كله من حيث هو شخص حي بحياة واحدة تستوى فيها رجله وسائر أعضائه ، ولذلك يسعى بجملته لإزالة ألم الرجل ويتوقى أسباب العثار بعد ذلك مستعينا بكل أعضائه وقواه . علمنا اللّه تعالى هذا بما قص علينا من أخبار الأمم . وأنعم على أمتنا - التي لا تختص بشعب ولا جنس - بهذا القرآن الكريم فكان لهم به نعم لا تحصى تعرف من الكتاب والسنة . منها أنهم كانوا أعداء فألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا ومنها أنهم كانوا مستضعفين فمكن لهم في الأرض وأورثهم أرض الشعوب القوية وديارهم وجعل لهم السلطان عليهم ، ومنها أنه جعلهم أمة وسطا لا تفريط عندها ولا إفراط ، ليكونوا شهداء على الناس الّذين غلوا وأفرطوا ، والذين قصروا وفرطوا . ثم لما كفرت بأنعم اللّه أنزل بها ألوانا من البلاء والنقم بعنوان الأمة . فان التتار إنما نكلوا بها وتبروا ما علوا تتبيرا لأنها الأمة الاسلامية ، ثم زحف عليها الغربيون أيام حروب الصليب وجاسوا خلال الديار . لأنها الأمة الاسلامية ، ثم إن الفتن لا تزال تحل بديارها ، وتنقصها من أطرافها ، وسوط عذاب اللّه يصب عليها بعنوان الأمة الاسلامية ، وقد مرت عليها قرون وهي لا تعتبر بما مضى ، ولا تتربى بما حضر ، بل جهلت الماضي فحارت في الحاضر ، لا تعرف سببه ولا المخرج منه . أليس من العجيب أن الجمهور الأعظم من المشتغلين بالعلم منها هم أجهلها بتاريخها ؛ لا يعرفون شيئا من ماضيها ولا حاضرها ؟ ولكنهم يعترفون بأن الأمة في بلاء كبير ، ويعتذرون بالقضاء والقدر عن معرفة الأسباب ، ويكلون إلى القضاء والقدر النجاة منه أو البقاء فيه إن هذه الأمة أمة واحدة وإن اختلفت ديارها وتعددت أجناسها ، ولا يمكن أن تعرف حقيتها إلا بعد معرفة تاريخها الماضي ، فلا بد من تتبع السواقي والجداول إلى الينبوع الأول الذي هو الأصل . كان سلفنا رضى اللّه تعالى عنهم يضبطون أحوال من قبلهم من أمور الدين والدنيا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 310 | الشيخ محمد رشيد رضا