تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
وفرعون لقب لمن تولى ملك مصر قبل البطالسة ، وآله خاصته ، وقد يطلق على قومه قدماء المصريين . ولما كانت التنجية لا تكون إلا من ظلم أو شر بين ما نجاهم منه بقوله
( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ )
أي يكلفونكم ويبغونكم ما يسوءكم ويذلكم من العذاب ، ثم بين ذلك بقوله
يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
أي يقتلون ذكران نسلكم ويستبقون إناثه أحياء لاضعافكم وإذلالكم المفضى إلى قطع نسلكم وإبادتكم
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
أي وفي ذلكم العذاب وفي التنجية منه - في كل منهما - بلاء وامتحان عظيم لكم من ربكم ، كما قال في آية أخرى ( 7 : 168
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
( قال الأستاذ الامام ) في هذه الآية بعد قراءة عبارة الجلال ما مثاله : خاطب الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما كان لآبائهم . لأن الانعام على أمة بعنوان أنها أمة كذا ، هو إنعام شامل للأمة من أصابه ذلك الإنعام من أفرادها ومن لم يصبه ، ويصح الامتنان به على اللاحقين منهم والسابقين . كما يصح الفخر به منهم أجمعين ، كما أن الانعام على شخص بشئ يختص بعضو من أعضائه كلبوس يلبسه ، أو لذيذ طعام يطعمه ، يكون إنعاما على الشخص ، ولا يقال : إنه إنعام على لسان فلان ولا على رأسه ، أو يده أو رجله ؛ ولأن ما وصل إلى مجتمع بعنوان ذلك الاجتماع والرابطة التي ربطت أفراده بعضهم ببعض يكون له أثر في مجموع الأفراد ، لا سيما إذا كان الواصل من نقمة أو نعمة مسببا عن عمل الأمة . شرا أو خيرا ، ويكون لذلك أثر في الأمة يورثه السلف الخلف ما بقيت الأمة . وأنواع البلاء التي ذكر بها اليهود في القرآن كانت لشعب إسرائيل من حيث هو شعب إسرائيل لأن الجرائم التي كان البلاء عقوبة عليها إنما كانت من مجموع الشعب . من حيث هو شعب إسرائيل ، ثم إن اللّه تعالى كان يتوب على الشعب بعد كل بلاء ويفيض عليه النعم . فتكون العقوبة تربية وتعليما تفيد المعتبرين بها نعمة وسعادة . لا أقول إن هذا الخطاب إيماء أو إشارة للمخاطبين بأن يستحضروا تاريخ أمتهم الماضي يتذكروا صنع اللّه تعالى فيهم فيعتبروا بما أصابهم من نعماء وضراء . وسعادة البقاء ، ويتفكروا فيما حل بهم من بعدهم ، وما ينتظر أن يحل بهم ، وإنما