تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
يوم القيامة عبر عنها بهذه العبارة « الشفاعة » ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه اللّه جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه اللّه تعالى « 1 » والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا ففي رواية الصحيحين وغيرهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسجد يوم القيامة ويثنى على اللّه تعالى بثناء يلهمه يومئذ فيقال له « ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع » وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن اللّه سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه ، وليس فيها أيضا ما يقوى غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين ، بل فيه أن الأمر كله للّه ، وأنه لا ينفع أحدا في الآخرة إلا طاعته ورضاه
( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ؟ )
( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى )
* * * ( 49 )
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
* * * هذه الآية كالتي قبلها واللواتي بعدها تفصيل لنعمة اللّه على شعب إسرائيل التي ذكرت من قبل مجملة ؛ وابتدىء التفصيل بذكر التفضيل لما تقدم من الحكمة في ذكره ، وهو نهوض الهمة إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة والترفع عن الرضا بما دون لمقام الذي رفعهم اللّه إليه ، وتوطين النفس لقبول الموعظة الخ ما تقدم . ثم ذكرهم عاجل بهم من البلاء والعقوبات جزاء على جرائمهم ، وبلطف اللّه تعالى بهم إنجائهم من البلاء وتوبته عليهم المرة بعد المرة ليعرفهم مقدار فضله وعقوبته معا والآية معطوفة على ما قبلها من سلسلة الذكريات فقوله
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
عطف تفصيل على الاجمال في قوله
( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ )
أي نعمى كثيرة ، لأن المفرد المضاف يفيد العموم ، أي واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون
هامش
( 1 ) قال بمثل هذا شيخ الاسلام ابن تيمية وغيره ولم يعدوه تأويلا