للأنبياء لا يدخلون النار أو لا تمسهم إلا أياما معدودة ، لأن لهم الجاه والتأثير يوم القيامة ، ولا يرضون أن يتركوا أبناءهم في العذاب ، ثم زادوا على ذلك شفاعة الأحبار لمن ينتسب إليهم . ومتى ضعف الدين يوجد من رؤسائه من يروج هذه العقائد في العامة لما تسوق إليهم من المنافع . وكذلك كان اليهود حتى جاء الاسلام بهذه الآية وأمثالها فمحا هذه العقيدة ليعلم المؤمنون به أنه لا ينفع الانسان يوم القيامة إلا مرضاة اللّه تعالى بالايمان الخالص والعمل الصالح
في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقا ، كقوله تعالى في وصف يوم القيامة
( لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ )
وأخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة ، كقوله عز وجل ( 74 : 48
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ )
وآيات تفيد النفي بمثل قوله ( 2 : 255
إِلَّا بِإِذْنِهِ )
وقوله ( 21 : 28
إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى )
فمن الناس من يحكم الثاني بالأول ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر لأن مثل هذا الاستثناء ( أي الاستثناء بالإذن والمشيئة ) معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للاشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته عز وجل ، كقوله تعالى ( 88 : 6 ، 7
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ )
وقوله ( 11 : 107
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ )
فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها ؟
الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره - حكم به أم لا - فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع . فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به ، كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به . وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشئ ، وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه ، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة . وكل من النوعين محال على اللّه تعالى ، لأن إرادته تعالى على حسب علمه وعلمه أزلي لا يتغير
( قال شيخنا ) فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضى مذهب السلف بالتفويض والتسليم ، وأنها مزية يختص اللّه بها من يشاء