ذلك الشعب الذي كان مفضولا . وإن كان المراد من التفضيل هو القرب من اللّه تعالى بمرضاته ، فلا بد من تخصيصه بأولئك الأنبياء والمهتدين بهم من أهل زمانهم والتابعين لهم فيه ، ومن تقييده بمدة الاستقامة على العمل الذي استحقوا به التفضيل
* * *
ثم قال تعالى
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
أي واحذروا يوما عظيما أمامكم سيقع فيه من الحساب والجزاء مالا منجاة من هوله إلا بتقوى اللّه في جميع الأحوال ، ومراقبته في جميع الأعمال ، فهو يوم لا تقضى فيه نفس ، مهما يكن قدرها عظيما عن نفس مهما يكن ذنبها صغيرا - شيئا ما ، كحمل وزرها ، أو تكفير ذنبها ( 35 : 18
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى )
وصف اليوم بهذا الوصف ولم يقل يوم القيامة مثلا للاشعار بأن التصرف في ذلك اليوم والأمر كله للّه ، فليس فيه ما اعتاد الناس في هذه الدنيا من دفاع بعضهم عن بعض . وعبر عن هذا المعنى في أول سورة بقوله
( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
ثم وصفه هنا بوصف آخر يناسب الأول فقال
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ولا تقبل ) بالتاء ، والمعنى لا يقبل منها أن تأتى بشفيع يشفع لها ولا يؤخذ منها فداء أو بدل إن هي استطاعت أن تأتى بذلك كما يظن أكثر الكفار ، ولن تستطيع . قال البيضاوي : وكأنه أريد بالآية نفى أن يدفع أحد عن أحد العذاب من كل وجه محتمل ، وفصل هذه الوجوه بما يشمل الثلاث المنفية ، وجملة المعني : أنه يوم لا تأثير لأحد فيه ولا كسب ، ولا ينطق فيه أحد إلا بإذن اللّه تعالى . وقال ( الجلال ) أي ليس لها شفاعة فتقبل ، واستدل بقوله تعالى حكاية عن المجرمين في الآخرة ( 26 : 100
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ )
الآية وفسر العدل بالفداء قال
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
أي يمنعون من عذاب اللّه .
قال الأستاذ الإمام : ولا دليل في هذا على أن المراد ما ذكره في مسألة الشفاعة وإنما السياق في الآية وأمثالها يدل على أن المراد بيان أن ذلك اليوم يوم تنقطع فيه الأسباب ، وتبطل منفعة الأنساب ، وتتحول فيه سنة هذه الحياة من انطلاق الانسان في اختياره يدفع عن نفسه بالعدل والفداء ، ويستعين على المدافعة بالشفاعة عند « تفسير القرآن الحكيم » « 20 » « الجزء الأول »