تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
ولكنهم كانوا يحرفون البشارة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويؤلونها . ويحتالون لمنع الزكاة فيمنعونها ، وجعلت لهم مواسم واحتفالات دينية تذكرهم بما آتى اللّه أنبياءهم من الآيات وما منحهم من النعم لينشطوا إلى إقامة الدين والعمل بالكتاب . ولكن القلوب قست بطول الأمد ففسقت النفوس عن أمر ربها . وهذه التوراة التي بين أيديهم لا تزال حجة عليهم ، فلو سألتهم عما فيها من الأمر بالبر والحث على الخير لاعترفوا وما أنكروا ، ولكن أين العمل الذي يهدى إليه الايمان ، فيكون عليه أقوى حجة وبرهان كذلك كان شأن أحبار اليهود وعلمائهم في معرفة ظواهر الدين بالتفصيل وكان عامتهم يعرفون من الدين العبادات العامة والاحتفالات الدينية وبعض الأمور الأخرى بالاجمال ، ويرجع المستمسك منهم بدينه في سائر أموره إلى الأحبار فيقلدهم فيما يأمرونه به ، وكانوا يأمرون بما يرونه صوابا فيما ليس لهم فيه هوى ، وإلا لجأوا إلى التأويل والتحريف والحيلة ليأخذوا من الألفاظ ما يوافق الهوى ويصيب الغرض ، فإذا وجه الخطاب في قوله تعالى
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
إلى حملة الكتاب فذاك لأن الأمر والنهى وظيفتهم ، وإذا كان عاما فذاك لأن شأن العامة فيما يعرفون من الدين بالاجمال كشأن الرؤساء فيما يعرفون بالتفصيل ، ولا يكاد يوجد أحد لا يأمر بخير ولا بحث على بر ، فإذا كان الآمر لا يأتمر بما يأمر به فالحجة قائمة عليه بلسانه وبخ اللّه هؤلاء القوم على أنهم كانوا يأمرون الناس بالبر كالأخذ بالحق ومعرفته لأهله ، وعمل الخير والوعد عليه بالسعادة مع الغفلة عن أنفسهم وعدم تذكيرها بذلك ، وما أجمل التعبير عن هذه الحالة بنسيان الأنفس ؛ فان من شأن الانسان أن لا ينسى نفسه من الخير ولا يحب أن يسبقه أحد إلى السعادة ، كأنه يقول : إذا كنتم موقنين بوعد الكتاب على البر ووعيده على تركه فكيف نسيتم أنفسكم
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
وتأمرون الناس باتباعه وتعرفون منه مالا يعرفه المأمورون ؟ أفيعلمون مع نقص العلم بفائدة العمل ، ولا تعملون على كمال العلم وسعته ؟ ولما كان هذا غير معقول قفى على استفهام التوبيخ بقوله
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
يعنى ألا يوجد فيكم عقل يحبسكم عن هذا السفه ؟ فان من له مسكة من العقل لا يدعى كمال العلم بالكتاب والايمان اليقيني به والقيام بالارشاد اليه : هذا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 296 | الشيخ محمد رشيد رضا