تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
تدخل النظام في كل عمل من أعمالها - في موضع آخر الاستعانة بالصبر تكون بالالتفات إلى الأسباب التي تأفك الناس وتصرفهم عن صراط الشريعة كاتباع الشهوات ، والولوع باللذات ، والبعد عن المؤلمات ، ثم بالقياس بينها وبين ما رغب اللّه فيه ، أو أوعد بالعقاب على فعله ، ثم بملاحظة أن ما أوعد اللّه تعالى به أولى بأن يتقى ، وما وعد به أولى بأن يرجى ويطلب ، وضرب الأستاذ لمن يفقدون الصبر فيقعون في الخسران مثلا : صاحب الحاجة يهزه الطيش والتسرع إلى قضاء حاجته ويفقد الصبر على مرارتها فيكذب لاعتقاد أن حاجته تقضى فيدفع المضرة أو يجلب المنفعة بالكذب ، وأنه بالصدق يفوته هذا ، فيقترف جريمة الكذب لهذا الاعتقاد ، وهو ظان بل واهم ، ومتى اقترفه مرة هان عليه فيعود إليه فيكون كذابا [ ومتى عرف بذلك ضاعت الثقة به وفسد حاله وأصبح يجد الحاجة إلى الصدق أشد مما كان منها إلى الكذب ] ويؤيد ما قاله الأستاذ الإمام : حديث « لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » رواه الشيخان عن ابن مسعود ، وإذا ذكر مثل هذا الرجل أو تذكر من تلقاء نفسه الوعيد على الكذب وما ورد في ذلك من آيات في كتاب اللّه وآثار عن رسول للّه صلّى اللّه عليه وسلّم وآله وأصحابه ومن تبعهم باحسان ، وما يجلبه لصاحبه من مقت اللّه وغضبه ، يسبق إلى ذهنه المكفرات ( ومثلها الشفاعات وسعة العفو والمغفرة ) كالاستغفار قبل النوم مائة مرة وقول كذا من الذكر بعد صلاة الصبح كذا وكذا مرة فلا يبقى للوعيد معها أثر ، إذ يذعن بأن ذنبه يغفر لا محالة ، وينسى سبب المغفرة الحقيقي وهو التوبة النصوح والرجوع إلى اللّه تعالى ، وأن العفو عن غير التائب الأواب إلى اللّه تعالى مجهول بالنسبة إلى علمنا وإن كان جائزا عقلا ، فإننا لم نطلع على ما في علم اللّه تعالى فنعلم أننا ممن يعفو عنهم [ وكيف نترك ما جاء عن اللّه في كتابه وعلى لسان نبيه من النصوص القاطعة الدالة على أن لعنة اللّه مسجلة على الكاذبين وهي بعمومها لا تدع لوهم مجالا في نزول سخط اللّه بالكاذب ، ثم نخترع لأنفسنا تعلة نتوكأ عليها في ارتكاب هذه الجريرة ونسندها إلى سعة عفو اللّه ، أو إلى مجمل من القول لا يبينه إلا تلك النصوص القاطعة ؟ إن هذا إلا