كتاب اللّه ، هذه وصايا اللّه ، هذا أمر اللّه ، قد وعد العامل به السعادة في الدنيا أو الآخرة أو كليهما ، فخذوا به واستمسكوا بعراه ، وحافظوا عليه ، - ثم هو لا يعمل ولا يستمسك ؟
مثل من كانت هذه حاله كمثل رجل أمامه طريق مضىء نصبت فيه الأعلام والصوى بحيث لا يضل سالكه ، ثم هو يسلك طريقا آخر مظلما طامس الأعلام وكلما لقى في طريقه شخصا نصح له أن لا يمشى معه ، وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه ، أو مثل ساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهية ، ويبيت على الجوع والطوى ، أو صاد يدل العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم
إذا كان هذا لا يقع من صحيح العقل فكذلك أمر المؤمن بشعب الإيمان وعدم الائتمار بها ، مع تذكرها وتلاوة كلام اللّه فيها . فلا بد لتعقل هذا من القول بأن الإيمان بالوعد على البر والوعيد على الفجور غير يقيني عند الآمر المخالف . ويؤيده أن القوم كانوا عقلاء في كسب المال وحفظ الجاه الدنيوي وإنما ضلوا من جهة الدين بأخذه على غير وجهه
الخطاب عام لليهود الذين كان هذا حالهم وعبرة لغيرهم لأنه منبىء عن حال طبيعية للأمم في مثل ذلك الطور الذي كانوا فيه ، ولذلك كان القرآن هداية للعالمين إلى يوم الدين ، لا حكاية تاريخ يقصد بها هجاء الإسرائيليين ، فلتحاسب أمة نفسها في أفرادها ومجموعها لئلا يكون حالها كحال من ورد النص فيهم فيكون حكمها عند اللّه كحكمهم ، لأن الجزاء على أعمال القلوب والجوارح ، لا لمحاباة الأشخاص والأقوام أو معاداتهم
( فان قيل ) إن من يأمر غيره بالبر وينسى نفسه قد يكون متكلا في ترك العمل على الشفاعات والمكفرات ، كالأذكار والصدقات ، لا أنه يترك لعدم اليقين في الإيمان ؛ وإذا أمر غيره بالبر مع هذا فذاك لأنه يلاحظ المكفرات في شأن نفسه ولا يلاحظها في شأن غيره ( نقول ) إن العالم بالدين لا يخفى عليه أن حكم اللّه تعالى واحد عام ، فكيف يحتم البر على غيره ويوهمه أنه لا يقربه من رضوان اللّه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 297
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٩٧