المتقدمين وأفعالهم ، فكانوا يحكمون هذه الزيادات في الدين حتى في كتب الأنبياء ويعتذرون بأن الأقدمين أعلم بكلام الأنبياء وأشد اتباعا لهم فهم الواسطة بينهم وبين الأنبياء ؛ وعلى من بعدهم الأخذ بما يقولون دون ما يقول الأنبياء الذين يصعب عليهم فهم كلامهم بزعمهم ، ولكن اللّه لم يقبل هذا العذر منهم فأسند إليهم ذلك اللبس وكتمان الحق الموجود في التوراة إلى اليوم ، وكذلك لا يقبل اللّه ممن بعدهم ترك كتابه لكلام الرؤساء بحجة أنهم أكثر علما وفهما ، فكل ما يعلم من كتاب اللّه تعالى يجب العمل به ، وإنما يسأل الإنسان أهل الفهم عما لا يعلم منه ليعلم فيعمل
* * *
ثم قال جل ثناؤه
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
فبعد الدعوة إلى الإيمان اليقيني دعاهم إلى العمل الصالح على الوجه النافع المرضى للّه تعالى وكانوا ضلوا عنه بالتمسك بالظواهر والوقوف عند الرسوم فقد كانوا يصلون ولكنهم ما كانوا يقيمون الصلاة ، لأن الإقامة هي الإتيان بالشئ مقوما كاملا وهي في الصلاة التوجه إلى اللّه تعالى بالقلب والخشوع بين يديه والاخلاص له في الذكر والدعاء والثناء ، فهذا هو روح الصلاة الذي شرعت لأجله ولم تشرع لهذه الصورة ، فان الصورة تتغير في حكم اللّه تعالى على ألسنة أنبيائه لأنها رابطة مذكرة ، فلم تكن للأنبياء صورة واحدة للصلاة ، ولكن هذا الروح لا يتغير فهو واحد لم يختلف فيه نبي ولم ينسخ في دين
ثم أمر بعد الصلاة التي تطهر الروح وتقربها من اللّه تعالى بالزكاة التي هي عنوان الإيمان ومظهر شكر اللّه على نعمه والصلة العظيمة بين الناس . وقد عهد في القرآن قرن الأمر بإتيان الزكاة بالأمر بإقامة الصلاة ، ومن أقام الصلاة لا ينسى اللّه تعالى ولا يغفل عن فضله ، ومن كان كذلك فهو جدير ببذل المال في سبيله ، مواساة لعياله ومساعدة على مصالحهم التي هي ملاك مصلحته ، فان الانسان إنما يكتسب المال من الناس بحذقه وعمله معهم فهو لم يكن غنيا إلا بهم ومنهم ، فإذا عجز بعضهم عن الكسب لآفة في فكره ونفسه أو علة في بدنه ، فيجب على الآخرين الأخذ بيده ، وأن يكونوا عونا له حفظا للمجموع الذي ترتبط مصالح بعضه بمصالح البعض الآخر ، وشكرا للّه على ما ميزهم به من النعمة ، وظاهر أن الغنى في حاجة دائمة