ويبعده من سخطه إلا هو ، وينسى نفسه فلا يحتم عليها ذلك ؟ ثم كيف يجعل أن الشفاعات والأعمال الصالحة التي ورد أنها تكفر السيئات لا يصح أن تكون مثبطة عن عمل البر أو سببا لتركه لأنه خلاف المقصود من الدين ؟ فهل يكون فرع من فروع الدين هادما لأصوله وسائر فروعه ؟ كل ذلك كان ينبغي أن يكون بعيدا عن العالم بالدين الذي يتلو كتاب اللّه تعالى ولكن هذا الضرب من الخذلان يعرض لأرباب الأديان عند فساد حال الأمم ، فنبه اللّه تعالى عليه بهذا التعبير اللطيف وهو نسيان النفس مع تلاوة الكتاب ، فكأن الزاعم أنه مؤمن ولا يعمل عمل الإيمان ، نسي أنه هو الذي يزعم الإيمان ، وصاحب هذا النسيان يمضى في العمل القبيح من غير فكر ولا روية بل انبعاثا مع الحظوظ والشهوات التي حكمها في نفسه ، وملكها زمام عقله وحسه ، ولكنه لا يلاحظها في غيره عندما يعرض عليه عمله السىء أو يراه معرضا عن عمل البر ولذلك يعظه ويذمه
بعد ما بين سوء حالهم وأن عقلهم لم ينفعهم والكتاب لم يذكرهم ، أرشدهم إلى الطريقة المثلى للانتفاع بالكتاب والعقل والعمل بالعلم النافع فان العمل السىء الذي سببه نسيان النفس ليس طبيعيا كالنفس لا يمكن دفعه ومقاومته بل هو اختياري وسببه عارض تمكن إزالته بما أرشد اللّه إليه في قوله
* * *
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
قال الأستاذ الامام : أمر بالصبر وهو كما قال المفسر حبس النفس على ما تكره .
ونقول بعبارة أوضح : هو احتمال المكروه بنوع من الرضى والاختيار والتسليم ، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كما يقول العامة في أمثالهم . . وذكر مثلا بمعنى قول الشاعر :
صبرت ولا واللّه مالي طاقة * على الصبر ، لكني صبرت على الرغم
والصبر الحقيقي المبنى على التسليم يحصل بتذكر وعد اللّه تعالى بالجزاء الحسن للصابرين على أعمال البر التي تشق على النفس وعن الشهوات المحرمة التي تصبو إليها ، وبتذكر أن المصائب من فعل اللّه وتصرفه في خلقه فيجب الخضوع له والتسليم لأمره ، ومن عجيب أمر هذا الصبر : أنه يقى الانسان من الخسران متى حسن في كل شئ كما تفيده سورة ( العصر ) ويؤيده الاختبار ، وقد اشتهر أن « من صبر ظفر » وربما أتينا على شئ من معنى الصبر وأنه قوة من قوى النفس