تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
إلى الفقير كما أن الفقير في حاجة إليه ، ولكن النفوس تمرض فتغفل عن المصلحة في بذل المال ومساعدة الفقير والضعيف مبالغة وغلوا في حب المال الذي هو شقيق الروح كما يقولون ، لهذا جعل اللّه بذل المال والإنفاق في سبل الخير علامة من علامات الإيمان ، وجعل البخل من آيات النفاق والكفر كما سيأتي في بعض الآيات قال الأستاذ الإمام : إن البخل - ومنبعه القسوة على عباد اللّه تعالى والحرص على المال استرسالا في الشهوات ، وميلا مع الأهواء - لا يجتمع مع الإيمان الصحيح في قلب واحد قط . وليس لأحد أن يزعم أنه يؤمن باللّه وبما أنزل على رسله من الأوامر والنواهي حتى يقوم بما أمر اللّه فيما طلب منه على ما يحب اللّه ويرضى ثم أمر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالركوع مع الراكعين ، والركوع صورة الصلاة أو جزء من أجزائها ، وقد أخره ولم يصله بالصلاة لحكمة جليلة لا رعاية للفاصلة كما زعم بعض المفسرين ، فليس من الجائز أن يكون في القرآن ما يعرض فيه إخلال بالمعنى لأجل رعاية الفاصلة ، بل هذا لا يرتضيه البلغاء من الناس فكيف يقع في كلام اللّه تعالى ؟ وإنما وردت هذه الأوامر الثلاثة مرتبة كما يحب اللّه تعالى فإقامة الصلاة في المرتبة الأولى من عبادة اللّه تعالى لأنها روح العبادة والإخلاص له ، ويليها إيتاه الزكاة لأنها تدل أيضا على زكاء الروح وقوة الإيمان ، وأما الركوع وهو صورة الصلاة البدنية أو بعض صورتها أشير به إليها فهو في المرتبة الثالثة فرض للتذكير بسابقيه وما هو بعبادة لذاته ، وإنما كان عبادة لأنه يؤدى امتثالا لأمر اللّه تعالى وإظهارا لخشيته ، والخشوع لعظمته ، ولكنه قد يصير عادة لا يلاحظ فيها امتثال ولا إخلاص فلا يعد عند اللّه شيئا ، وإن عده أهل الرسوم كل شئ ، بخلاف إقامة الصلاة بالمعنى الذي ذكرناه وإيتاء الزكاة ، ولا يخفى أن الفصل بين معني الصلاة وصورتها بالزكاة فيه تعظيم لشأن الزكاة . وسنتكلم على الزكاة والانفاق في سبيل اللّه بالتفصيل في تفسير آية أخرى إن شاء اللّه تعالى . * * * ( 44 )
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 45 ) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 294 | الشيخ محمد رشيد رضا