تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
الْخاشِعِينَ
( 46 )
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
* * * الكلام موجه إلى بني إسرائيل وقد تقدم في الآيات السابقة أن اللّه ذكرهم بنعمته ، وأمرهم بالوفاء بعهده ، وأن يرهبوه ويتقوه وحده ، وأن يؤمنوا بالقرآن ، ونهاهم أن يكونوا أول كافر به ، وأن يشتروا بآياته ثمنا قليلا ، وأن يلبسوا الحق بالباطل ويكتموه عمدا . ثم أمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وطفق في هذه الآيات يوبخهم على سيرتهم المعوجة في الدين ، ويهديهم إلى طريق الخروج منها اليهود كسائر الملل يدعون الإيمان بكتابهم والعمل به ، والمحافظة على أحكامه والقيام بما يوجبه ، ولكن اللّه تعالى علمنا أن من الايمان - بل مما يسمى في العرف إيمانا - مالا يعبأ به ، فيكون وجوده كعدمه ، وهو الإيمان الذي لا سلطان له على القلب ، ولا تأثير له في إصلاح العمل ، كما قال
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )
وكانت اليهود في عهد بعثته عليه الصلاة والسّلام قد وصلوا في البعد عن جوهر الدين إلى هذا الحد . كانوا - ولا يزالون - يتلون الكتاب تلاوة يفهمون بها معاني الألفاظ ، ويجلون أوراقه وجلده ، ولكنهم ما كانوا يتلونه حق تلاوته ، لأن الذين يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به كما قال تعالى وعلى الوجه الذي يرضاه تعالى : يتلون ألفاظه وفيها البشارة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويأمرون بالعمل بأحكامه وآدابه من البر والتقوى ، ولكن الأحبار القارئين الآمرين الناهين ما كانوا يبينون من الحق إلا ما يوافق أهواءهم وتقاليدهم ، ولا يعملون بما فيه من الأحكام إلا إذا لم يعارض حظوظهم وشهواتهم . فقد عهد اللّه إليهم في الكتاب أنه يقيم من إخوانهم نبيا يقيم الحق « 1 » وفرض عليهم الزكاة ،
هامش
( 1 ) يشير إلى ما في الفصل الثامن عشر من سفر تثنية الاشتراع : 17 قال لي الرب أحسنوا فيما تكلموا 18 أقيم - وفي ترجمة أخرى « سوف أقيم » لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به 19 ويكون أن الانسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه » وفي ترجمة أخرى « فانا أكون المنتقم من ذلك » ولم يبعث بعد موسى نبي مثل موسى في نبوته ، أي إنه صاحب شريعة مستقلة غير محمد عليه الصلاة والسّلام