تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
لا تعرضوا عن الايمان بهذا النبي وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل وهو ما يستفيده رؤساؤكم من المرؤسين من مال وجاه أوقعاهم في الكبر والغرور ، وما يتوقعه المرؤسون من الزلفى والحظوة بتقليد الرؤساء واتباعهم وما يخشونه إذا خالفوهم من المهانة والذلة ، وإنما سمى هذا الجزاء قليلا لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير بالنسبة إليه ، وكيف لا يكون قليلا وصاحبه يخسر عقله وروحه قبل كل شئ لاعراضه عن الآيات البينات ، والبراهين الواضحات ، ثم إنه يخسر عز الحق وما يكون له من الشأن العظيم وحسن العاقبة ، ثم إنه يخسر مرضاة اللّه تعالى وتحل به نقمه في الدنيا وعقوبته في الآخرة ، وختم هذه الآية بشبه ما ختم به ما قبلها وذلك قوله
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
وليس في هذه مع سابقتها تكرار ولا شبه تكرار كما يتوهم ، فقد حل كل من القولين محله ، ولا مندوحة عن واحد منهما لأن استبدال الباطل بالحق إنما كان منهم لاتقاء الرئيس فوت المنفعة من المرءوس ، واتقاء المرءوس غضب الرئيس ، فدحض هذه الشبهة بالأمر بتقوى اللّه وحده الذي بيده قلوب العباد وجوارحهم ، وهو المسخر لهم في أعمالهم ، وبيده الخير كله ، وهو على كل شئ قدير * * * ثم قال
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
بينت هذه الآية مسلكهم في الغواية والاغواء في سياق النهى عنه . فقد جاء في كتبهم التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم ويعملون العجائب ، وجاء فيها أيضا أنه تعالى يبعث فيهم نبيا من ولد إسماعيل يقيم به أمة ، وأنه يكون من ولد الجارية ( هاجر ) وبين علاماته بما لا لبس فيه ولا اشتباه ، ولكن الأحبار والرؤساء كانوا يلبسون على العامة الحق بالباطل فيوهمونهم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الأنبياء الذين نعتتهم الكتب بالكذبة ( حاشاه ) ويكتمون ما يعرفون من نعوته التي لا تنطبق على سواه ، وما يعلمون من صفات الأنبياء الصادقين وما يدعون إليه ، وكله ظاهر فيه عليه الصلاة والسّلام بأكمل المظاهر . ومن اللبس أيضا ما يفتريه الرؤساء والأحبار فيكون صادا لهم عن سبيل اللّه وعن الإيمان بنبيه عن ضلال وجهل وهو لبس أصول الدين بالمحدثات والتقاليد التي زادوها على الكتب المنزلة بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض