السماوية والمؤمنة بالأنبياء المعروفين ، ولأنهم كانوا أشد الناس على المؤمنين ، ولأن في دخولهم في الإسلام من الحجة على النصارى وغيرهم أقوى مما في دخول النصارى من الحجة عليهم ، وهذه النعمة التي أطلقها في التذكير لعظم شأنها هي نعمة جعل النبوة فيهم زمنا طويلا ( أو أعم ) ولذلك كانوا يسمون شعب اللّه كما في كتبهم ؛ وفي القرآن إن اللّه اصطفاهم وفضلهم ، ولا شك أن هذه المنقبة نعمة عظيمة من اللّه منحهم إياها بفضله ورحمته فكانوا بها مفضلين على العالمين من الأمم والشعوب وكان الواجب عليهم أن يكونوا أكثر الناس للّه شكرا ، وأشدهم لنعمته ذكرا ، وذلك بأن يؤمنوا بكل نبي يرسله لهدايتهم ، ولكنهم جعلوا النعمة حجة الإعراض عن الإيمان ، وسبب إيذاء النبي عليه السّلام ، لأنهم زعموا أن فضل اللّه تعالى محصور فيهم ، وأنه لا يبعث نبيا إلا منهم ؛ ولذلك بدأ اللّه تعالى خطابهم بالتذكير بنعمته ، وقفى عليه بالأمر بالوفاء بعهده . فقال :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
عهد اللّه تعالى إليهم يعرف من الكتاب الذي نزله إليهم ، فقد عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ؛ وأن يؤمنوا برسله متى قامت الأدلة على صدقهم ، وأن يخضعوا لأحكامه وشرائعه ، وعهد إليهم أن يرسل إليهم نبيا من بنى إخوتهم أي بنى إسماعيل يقيم شعبا جديدا . هذا هو العهد الخاص المنصوص ، ويدخل في عموم العهد عهد اللّه الأكبر الذي أخذه على جميع البشر بمقتضى الفطرة وهو التدبر والتروي ، ووزن كل شئ بميزان العقل والنظر الصحيح ، لا بميزان الهوى والغرور ، ولو التفت بنو إسرائيل إلى هذا العهد الإلهى العام ، أو إلى تلك العهود الخاصة المنصوصة في كتابهم ، لآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم واتبعوا النور الذي أنزل معه وكانوا من المفلحين ، ولا حاجة إلى تخصيص العهد بالإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما فعل مفسرنا ( الجلال ) فإن الإيمان داخل في العهد العام وهو من أفراد العهد الخاص فلا دليل على قصر عموم العهد المضاف عليه
هذا هو عهد اللّه وأما عهدهم فهو التمكين في الأرض المقدسة والنصر على الأمم الكافرة والرفعة في الدنيا وخفض العيش فيها . هذا هو الشائع في التوراة التي بين أيديهم ، ولا شك أن اللّه تعالى قد وعدهم أيضا بسعادة الآخرة ، ولكن