تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
* * * لا يزال الكلام في الكتاب وكونه لا ريب فيه وبيان أحوال الناس وأصنافهم في أمره . وقد قلنا إن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ : ذكر الكتاب أنه لا ريب فيه ، ثم ذكر اختلاف الناس فيه فابتدأ بالمستعدين للايمان به المنتظرين للهدى الذي يضيىء نوره منه ، وثنى بالمؤمنين ، وثلث بالكافرين ، وقفى عليهم بالمنافقين . ثم ضرب الأمثال لفرق الصنف الرابع ثم طالب الناس كلهم بعبادته ، ثم أقام البرهان على كون الكتاب منزلا من اللّه على عبده محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتحدى المرتابين بما أعجزهم ، ثم حذر وأنذر ، وبشر ووعد ، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول ، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب ، ثم حاج الكافرين ، وجاءهم بأنصع البراهين ، وهو إحياؤهم مرتين وإماتتهم مرتين ، وخلق السماوات والأرض لمنافعهم ، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره ، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلا ، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمعنى الذي نذكره . والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتظامه في سلكه ، وحسن اتساقه في سبكه ، فهو دائر على قطب واحد في فلكه ، وهو الكتاب ، والمرسل به ، وحاله مع المرسل إليهم . قال تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
( أقول ) إسرائيل لقب نبي اللّه يعقوب ابن نبيه اسحق ابن نبيه وخليله إبراهيم ( ع . م ) قيل معناه الأمير المجاهد مع اللّه . والمراد ببنيه ذريته من أسباطه الإثنى عشر ؛ وأطلق عليهم لقبه في كتبهم وتواريخهم كما تسمى العرب القبيلة كلها باسم جدها الأعلى . ولما كانت سورة البقرة أول السور المدنية الطول وكان جل يهود بلاد العرب في جوارها دعاهم اللّه تعالى فيها إلى الإسلام وأقام عليهم الحجج والبراهين وبين لهم من حقيقة دينهم وتاريخ سلفهم ما لم يكن يعلمه أحد من قومه المجاورين لهم فضلا عن أهل وطنه بمكة المكرمة . قال شيخنا في سياق درسه ما مثاله : « اختص بني إسرائيل بالخطاب اهتماما بهم لأنهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب « تفسير القرآن الحكيم » « 19 » « الجزء الأول »