تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وغيرهم في ( الجنة ) هل هي البستان أو المكان الذي تظلله الأشجار بحيث يستتر الداخل فيه كما يفهمه أهل اللغة ؟ أم هي الدار الموعود بها في الآخرة ؟ والمحققون من أهل السنة على الأول . قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى بالتأويلات : نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من الغياض كان آدم وزوجه منعمين فيها ، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها ، وهذا هو مذهب السلف ، ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنة وغيرهم . وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة وهي ( 1 ) إن اللّه خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليفة فيها ، فالخلافة مقصودة منهم بالذات فلا يصح أن تكون عقوبة عارضة ( 2 ) انه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم ( 3 ) إن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون ، فكيف دخلها الشيطان الكافر الملعون ؟ ( 4 ) انها ليست محلا للتكليف ( 5 ) إنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها ( 6 ) إنه لا يقع فيها العصيان . وبالجملة إن الأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على ما كان في جنة آدم ، ومنه كون عطائها غير مجذوذ ولا مقطوع وغير ذلك . ( أقول ) وقد أجاب بعضهم عن بعض هذه الاشكالات ولكل من الفريقين إشكالات وأجوبة أطال في بيانها ابن القيم في ( حادي الأرواح ) ولم يرجح شيئا ولذلك مال بعضهم إلى الوقف وما اختاره شيخنا أقوى . وقد قال به أبو حنيفة وتبعه أبو منصور ، وقد كان ظهر لي عند كتابة تفسير الآيات شئ آخر لم يذكره الأستاذ الامام ولم أره في كتب التفسير وهو أن القول بأن آدم أسكن جنة الآخرة يقتضى أن تكون الآخرة هي الدار الأولى والدنيا فتكون التسمية للدارين غير صحيحة وينافي أيضا كون الجنة دار ثواب يدخلها المتقون جزاء بما كانوا يعملون كما ورد في الآيات الكثيرة . وقد قال تعالى
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
ولم يقل ( ادخل ) ولو انتقل من الأرض التي خلق فيها إلى الجنة لقال هذا أو ما بمعناه مما يشير إلى الانتقال فقوله
( اسْكُنْ )
يشير إلى أن الخلقة كانت في تلك الجنة أو بالقرب منها ، وقوله
وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما
إباحة للتمتع بتلك