تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
خاضعة للرب الإله الأكبر الذي يرجع إليه الأمر كله ، فالمعنى العام عند الأولين والآخرين هو أن أحداث هذا العالم وتغيراتها وتطوراتها والنظام فيها كلها لا بد له من سبب خفى غير أجزاء مادتها ، فالتعبير عن ذلك عند المتقدمين قد وصل إلينا باصطلاحات تدل على الشرك برب العالمين ، وتعبير الماديين المتأخرين يدل على التعطيل . وتعبير القرآن وما ثبت في السنة هو الذي حرر الحقيقة التي يمكن إذعان العقلاء لها وهي أن الفاعل الحقيقي واحد ، وأن نظام كل شئ قد ناطه سبحانه بموجودات روحية خفية ذات قوى عظيمة جدا سميت الملائكة ، فالأستاذ الامام يقول : إن التسمية وحدها لا تعطى أحدا علم الحقيقة ، وإن من فهم الحقيقة لا يحجبها عنه اختلاف التسمية ، وأراد بهذا أن يحتج على الماديين ويقنعهم بصحة ما جاء به الوحي من طريق علمهم المسلم عندهم ، كما صرح به فيما مر في صفحة 268 فأنكره عليه عباد الألفاظ وهم لا يعقلون مراده ، وهو بمثل هذه الأساليب في الإقناع بحقية الدين كان حجة للّه في هذا العصر : حتى قال له أحد نوابغ رجال القضاء الأذكياء : إنك بتفسيرك للقرآن بالبيان الذي يقبله العقل ولا يأباه العلم قد قطعت الطريق على الذين يظنون أنه قد اقترب الوقت الذي يهدمون فيه الدين ويستريحون من قيوده وجهل رجاله وجمودهم . وإنني أنا قد جربت هذه الطريقة التي استنكروها عليه في إقامة الحجة على بعض المنكرين لوجود اللّه تعالى فلم يستطيعوا لها دحضا ، ذلك بأن علماءهم إنما ينكرون إله اللاهوتيين وكذا إله المتكلمين لا إله الخليقة . فإذا قلت لهم : هل تعقلون أن هذا النظام الدقيق في كل نوع من المخلوقات ووحدة النظام العام في مجموعها كلها قد وجدا بالمصادفة وليس لهما مصدر وجودي ؟ يقولون : لا ، بل لا بد لذلك من مصدر لكننا نجهل حقيقته ، حينئذ كنت أقول لهم ، وهذا أس عقيدة الإسلام وهو أننا نجهل كنه رب العالمين ، وإنما نعرفه بآثاره في خلقه فالفرق بيننا لفظي . ذلك . وإن ترتيب النظم يلتئم مع التأويل الذي أورده الأستاذ الإمام في السياق فإن هذه المعاني التي وردت بصيغة الحكاية وبرزت في صورة التمثيل جاءت عقب قوله تعالى
( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً )
وبقي شئ واحد لم يصرح به