في الدرس وقد سبقت الإشارة إليه ، وهو أن كل قوة من قوى هذه الأرض وكل ناموس من نواميس الطبيعة فيها خلق خاضعا للانسان ، وخلق الانسان مستعدا لتسخيره لمنفعته إلا قوة الاغراء بالشر ، وناموس الوسوسة بالاغراء الذي يجذب الانسان دائما إلى شر طباع الحيوان ، ويعيقه عن بلوغ كماله الانساني ، فالظاهر من الآيات أن الانسان لا يغلب هذه القوة ولا يخضعها مهما ارتقى وكمل ، وقصارى ما يصل إليه الكاملون هو الحذر من دسائس الوسوسة والسلامة من سوء عاقبتها ؛ بأن لا يكون لها سلطان على نفس الكامل تجعله مسخرا لها وتستعمله بالشرور كما قال تعالى
( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) *
وقال عز وجل
( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ )
ثم زاد الأستاذ هنا قوله : [ أما سلطان تلك القوة في الفناء وقطع حركة الوجود إلى الصعود فلا يستطيع إخضاعه لقدرته من البشر كامل ، ولا يقاوم نفوذه عامل ، وإنما ذلك للّه وحده . وهذا حكمها في الكائنات ، إلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ] فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا من أهل التقوى والبصيرة وأن يعيذنا من الشيطان الرجيم .
* * *
( 35 )
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
( 36 )
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
( 37 )
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
* * *
مجمل الآيات السابقة أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الانساني واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض آذن اللّه تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك ، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الانسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء ، حتى أعلمها اللّه تعالى بأن