تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
علمها لم يحط بمواقع حكمته ، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى . ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها ، على أن كل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها ، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحا واحدا هو مبعث الشر ومصدر الاغواء فقد أبى الخضوع ، واستكبر عن السجود ، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك . والاستعداد في الشئ إنما يظهر بظهور متعلقه . فلا يقال : إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الابليسى ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لاغوائه ؟ لا يقال ذلك لأنه كان مستعدا لهذا العصيان والاباء فلما أمر عصى . ولما وجد خلقا مستعدا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه . كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجودة كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو ومجمل الآيات اللاحقة : أن اللّه تعالى أمر آدم وزوجه بسكني الجنة والتمتع بها . ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم . وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم إلى ضده . ثم إن آدم تاب إلى اللّه من معصيته فقبله . ثم جعل سعادة هذا النوع باتباع هدى اللّه وشقاءه بتركه . وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر . وتسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما يلاقى من الانكار . وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة . وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر ، وهو أن المعصية من شأن البشر . كأنه يقول : فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ فقد كان الضعف في طباعهم ينتهى إليهم من أول سلف لهم تغلب عليهم الوساوس . وتذهب بصبرهم الدسائس . انظر ما وقع لآدم وما كان منه . وسنة اللّه مع ذلك لا تتبدل . فقد عوقب آدم على خطيئته باهباطه مما كان فيه . وإن كان قد قبل توبته . وغفر هفوته ] فالمعصية دائما مجلبة الشقاء . وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها . وأما تفسير هذه الآيات بالتفصيل فقد اختلف علماء المسلمين من أهل السنة