( إحداهما ) أن الأرض ممهدة ومهيأة للمعيشة فيها والتمتع يها ( والثانية ) أن طبيعة الحياة فيها تنافى الخلود والدوام ، فليس الهبوط لأجل الإبادة ومحو الآثار ، وليس للخلود كما زعم إبليس بوسوسته إذ سمى الشجرة المنهى عنها ( شجرة الخلد وملك لا يبلى ) يعنى أن اللّه أخرجهم من جنة الراحة إلى أرض العمل لا ليفنيهم ، وعبر عن ذلك بالاستقرار في الأرض ، ولا ليعاقبهم بالحرمان من التمتع بخيرات الأرض ، وعير عن ذلك بالمتاع ، ولا ليمتعهم بالخلود وعبر عن ذلك بكون الاستقرار والمتاع إلى حين
* * *
ثم قال
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
أي ألهمه اللّه إياها فأناب إليه بها وهي كما في سورة الأعراف
( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ )
تاب آدم بذلك وأناب إلى ربه
فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
أي قبل توبته ؛ وعاد عليه بفضله ورحمته ، وبين سبب ذلك بأنه تعالى هو التواب أي الذي يقبل التوبة كثيرا ، فمهما يذنب العبد ويندم ويتب يتب الرب عليه ، وبأنه هو الرحيم بعباده مهما يسئ أحدهم بما هو سبب لغضبه تعالى ويرجع إليه فإنه يحفه برحمته . وكل ما ورد في هبوط آدم وحواء من تعيين الأمكنة فهو من الإسرائيليات الباطلة
وبقي مما يتعلق بهذا التفسير مسألتان قد أكثر الناس الكلام فيهما وهما مسئلة خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم ، ومسئلة عصمة آدم ، فأما الأولى فليس في القرآن نص فيها ولا يلزمنا حمل قوله تعالى
( وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها )
على ذلك لأجل مطابقة سفر التكوين ، فإن القصة لم ترد في القرآن كما وردت في التوراة التي في أيدي أهل الكتاب حكاية تاريخية ، وإنما جاء القرآن بموضع العبرة في خلق آدم واستعداد الكون لأن يتكمل به ، وكونه قد أعطى استعدادا في العلم والعمل لا نهاية لهما ليظهر حكم اللّه ويقيم سننه في الأرض فيكون خليفة له ، وكونه لا يسلم من داعية الشر والتأثر بالوسوسة التي تحمل على المعصية . ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين ، وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة دون غيره ، لم يبين الزمان والمكان كما بينا في سفر التكوين ، وكان بيانهما سببا لرفض الباحثين في الكون وتاريخ الخليقة لدين