تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
النصرانية ، لأن العلم المبنى على الاختبار والمشاهدة أظهر خطأ ما جاء من التاريخ في التوراة ، ووجدت للانسان آثار في الأرض تدل على أنه أقدم مما حددته التوراة في تاريخ تكوينه ، فقام فريق من أهل الكتاب يركب التعاسيف في التأويل ، وفريق يكفر بالكتاب والتنزيل ( أقول ) فإن قلت : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال في حديث أبي هريرة في الصحيحين في تعليل التوصية بالنساء « فإن المرأة خلقت من ضلع » قلنا : إنه على حد قوله تعالى
( خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ )
كما قالوا في شرحه . وسيأتي في تفسير القصة من سورة الأعراف . ولم يتعرض شيخنا في الدرس لقوله تعالى
( وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها )
ولكنه كتب بعد ذلك وقبل ما ستراه عنه في تفسير سورة النساء ما نصه : [ وأما قوله تعالى في سورة النساء
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها )
وفي سورة الأعراف
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها )
فقد قال غير واحد من المفسرين : إن المعنى من جنسها كما قال في سورة الروم
( وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )
فان المعنى هناك على أنه خلق أزواجا من جنسنا ، ولا يصح أن يراد أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها كما هو ظاهر ] ( قال ) وأما مسألة عصمة آدم فالجرى على طريقة السلف يذهب بنا إلى أن العصيان والتوبة من المتشابه ، كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره ، ولنا أن نقول : إن تلك مخالفة صدرت منه قبل أن يدركه عزم النبوة كما قال جل شأنه
( فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً )
والاتفاق إنما هو على العصمة عن مخالفة الأوامر بعد النبوة . وقد يكون الذي وقع من آدم نسيانا ، فسمى تفخيما لأمره عصيانا ، والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة ، فان جعلنا الكلام كله تمثيلا فحديث الاخلال بالعصمة مما لا يمر بذهن العاقل وأما تفسير الآيات على طريقة الخلف في التمثيل فيقال فيه : إن القرآن كثيرا ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب ، أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان والتأثير ، فهو يدعو بها الأذهان ، إلى ما وراءها من المعاني ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 280 | الشيخ محمد رشيد رضا