تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
الجنة والتنعم بما فيها أي كلا منها أكلا رغدا واسعا هنيئا من أي مكان منها إلا شيئا واحدا نهاهما عنه بقوله
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
لأنفسكما بالوقوع فيما يترتب على الأكل منها ، ولم يعين اللّه تعالى لنا هذه الشجرة فلا نقول في تعيينها شيئا ، وإنما نعلم أن ذلك لحكمة اقتضته ، ولعل في خاصية تلك الشجرة ما هو سبب خروجهما من حال إلى حال ، وربما كان في الأكل منها ضرر ، أو كان النهى ابتلاء وامتحانا منه تعالى ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى الإشراف على كل شئ واختباره ، وإن كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر « 1 » * * * قال تعالى
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها
أي حولهما وزحزحهما عن الجنة أو حملهما على الزلة بسبب الشجرة وقرأ حمزة ( فأزالهما ) والشيطان إبليس الذي لم يسجد ولم يخضع وقد وسوس لهما بما ذكر في سورتي الأعراف وطه حتى أوقعهما في الزلل وحملهما على الأكل من الشجرة فأكلا
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ
أي من ذلك المكان أو النعيم الذي كانا فيه ، فكان الذنب متضلا بالعقوبة اتصال السبب بالمسبب ثم بين اللّه تعالى كيفية الإخراج بقوله
وَقُلْنَا اهْبِطُوا
يعنى آدم وزوجه وإبليس فلا حاجة لتقدير إرادة ذرية آدم بالجمع كما فعل مفسرنا ( الجلال ) فان العداوة في قوله عز وجل
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
تنافى هذا التقدير فان العداوة بين الإنسان والشيطان لا بين الإنسان وذريته . والأصل في الهبوط أن يكون من مكان عال إلى أسفل منه ، ولذلك احتج به من قال : إن آدم كان في السماء ، وقد يستعمل في مطلق الانتقال أو مع اعتبار العلو والسفل في المعنى . وقال الراغب : الهبوط الانحدار على سبيل القهر ولا يبعد أن تكون تلك الجنة في ربوة فسمى الخروج منها هبوطا أو سمى بذلك لأن ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه أو هو كما يقال هبط من بلد إلى بلد ، كقوله تعالى لبنى إسرائيل ( اهبطوا مصرا ) ثم قال تعالى
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
أي إن استقراركم في الأرض وتمتعكم فيها ينتهيان إلى زمن محدود وليسا بدائمين ففي الكلام فائدتان
هامش
( 1 ) راجع تفسير المسألة في سورة الأعراف ( ج 8 ) تجد فيه ما ليس هنا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 278 | الشيخ محمد رشيد رضا