تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
أفلا تزعم أن للّه ملائكة في الأرض وملائكة في السماء ؟ هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض ؟ وهل حددت أمكنتها ، ورسمت مساكنها ؟ وهل عرفت أين يجلس من يكون منهم عن يمينك ؟ ومن يكون عن يسارك ؟ هل ترى أجسامهم النورانية تضئ لك في الظلام ، أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام ؟ فلور كنت إلى أنها قوى أو أرواح منبثة فيما حولك ، وما بين يديك وما خلفك ، وأن اللّه ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك ، وبالعبارة التي تلقفتها عنهم ، كيلا يوحشك بما يدهشك ، وترك لك النظر فيما تطمئين إليه نفسك من وجوه تعرفها . أفلا يكون ذلك أروح لنفسك ، وأدعى إلى طمأنينة عقلك ؟ أفلا تكون قد أبصرت شيئا من وراء حجاب ، ووقفت على سر من أسرار الكتاب ؟ فإن لم تجد في نفسك استعدادا لقبول أشعة هذه الحقائق ، وكنت ممن يؤمن بالغيب ويفوض في إدراك الحقيقة ويقول
( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا )
فلا ترم طلاب العرفان بالريب ما داموا يصدقون بالكتاب الذي آمنت به ، ويؤمنون بالرسول الذي صدقت برسالته ، وهم في إيمانهم أعلى منك كعبا ، وأرضى منك بربهم نفسا ، ألا إن مؤمنا لو مالت نفسه إلى فهم ما أنزل إليه من ربه على النحو الذي يطمئن إليه قلبه كما قلنا كان من دينه في ثقة ؛ ومن فضل ربه في سعة ] ا ه هذا ما كتبه شيخنا في توضيح كلامه في تقريب ما يفهمه علماء الكائنات من لفظ القوى - إلى ما يفهمه علماء الشرع من لفظ الملائكة ، ولا يفقهه من هؤلاء إلا من له إلمام بما يقوله أولئك في القوى وإسناد كل أحداث الكائنات وتطوراتها إليها مع اعترافهم بجهل كنهها ، وإلمام أيضا بما كان يقوله قدماء اليونان من أن لكل نوع من أنواع الموجودات إلها أو ربا مدبرا هو المسير لنظامه وكل هذه الأرباب « تفسير القرآن الحكيم » « 18 » « الجزء الأول »
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 273 | الشيخ محمد رشيد رضا