تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
واقع موقعه ، ليس شئ أعلى ولا أحط منه ، فإن كان كذلك ولا بدّ أن يكون كما قدره - لو عرفوا ذلك كله لأطلقوا لأنفسهم أن تجول في تلك الشؤون حتى تصل إلى مستقر الطمأنينة حيث لا ينازع العقل شئ من وساوس الوهم ، ولا تجد طائفا من الخوف ، ثم لا يتحرجون من إطلاق لفظ مكان لفظ هذه القوى التي نرى آثارها في كل شئ يقع تحت حواسنا ، وقد خفيت حقائقها عنا ، ولم يصل أدق الباحثين في بحثه عنها إلا إلى آثار تجلّ إذا كشفت ، وتقل بل تضمحل إذا حجبت ، وهي التي يدور عليها كمال الوجود ، وبها ينشأ الناشئ ، وبها ينتهى إلى غايته الكامل ، كما لا يخفى على نبيه ولا خامل ، أليست أشعة من ضياء الحق ؟ أليست أجل مظهر من مظاهر سلطانه ؟ ألا تعد بنفسها من عالم الغيب وإن كانت آثارها من عالم الشهادة ؟ ألا يجوز أن يشعر الشاعر منها بضرب من الحياة والاختيار خاص بها لا ندرك كنهه لاحتجابه بما نتصوره من حياتنا واختيارنا ؟ ألا تراها توافى بأسرارها ، من ينظر في آثارها ، ويوفيها حق النظر في نظامها ؟ يستكثر من الخير بما يقف عليه من شؤونها ، ومعرفة الطريق إلى استدرار منافعها ؟ أليس الوجود الإلهي الأعلى من عالم الغيب وآثاره في خلقه من عالم الشهادة ؟ أليس هو الذي وهب تلك القوى خواصها ، وقدر لها آثارها ؟ لم لا تقول أيها الغافل : إنه بذلك وهبها حياتها الخاصة بها ، ولم قصرت معنى الحياة على ما تراه فيك وفي حيوان مثلك ؟ مع أنك لو سئلت عن هذا الذي تزعم أنك فهمته وسميته حياة لم تستطع له تعريفا ، ولا لفعله تصريفا ؟ لم لا تقول كما قال اللّه وبه نقول
( تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) ؟