تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
ثم تطلع عقله إلى أن يفهم معني نورانية الأجسام ، وهل النور وحده له قوام يكون به شخصا ممتازا بدون أن يقوم بجرم آخر كثيف ثم ينعكس عنه كذبالة المصباح أو سلك الكهرباء ؟ ومعنى قابلية التشكل وهل يمكن للشئ الواحد أن يتقلب في أشكال من الصور مختلفة حسبما يريد وكيف يكون ذلك ؟ ألا يقع في حيرة ، ولو سئل عما يعتقده من ذلك ألا يحدث في لسانه من العقد مالا يستطيع حله ؟ أليس مثل هذه الحيرة بعد شكا ؟ نعم ليست هذه الحيرة حيرة من وقف دون أبواب الغيب يطرف لما لا يستطيع النظر إليه ، لكنها حيرة من أخذ بقول لا يفهمه ، وكلف نفسه علم مالا تعلمه . فلا يعد مثله ممن آمن بالملائكة إيمانا صحيحا ، واطمأنت بايمانه نفسه ، واذعن له قلبه ، ولم يبق لوهمه سلاح ينازع به عقله ، كما هو شأن صاحب الإيمان الصحيح فليرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليعلموا أن الذي وقر فيها تقاليد حفت بالمخاوف ، لا علوم حفت بالسكينة والطمأنينة ، هؤلاء لم يشرق في نفوسهم ذلك السر الذي يعبر عنه بالنور الإلهي ، والضياء الملكوتي ، واللألاء القدسي ، أو ما يماثل ذلك من العبارات . لم يسبق لنفوسهم عهد بملاحظة جانب الحق ، ولم تكتحل أعين بصائرهم بنظرة إلى مطلع الوجود منه على الخلق ، ولو علموا أن العالم بأسره فان في نفسه ، وأن ليس في الكون باق كان أو يكون إلا وجهه الكريم ، وأن ما كشف من الكون وما لطف ، وما ظهر منه وما بطن ، إنما هو فيض من جوده ، ونسبة إلى وجوده ، وليس الشريف منه الا ما أعلى بذكره منزلته ، ولا الخسيس إلا ما بين لنا بالنظر إلى الأول نسبته ؛ فان كل مظهر من مظاهر الوجود في نفسه